|

بلا نفاق غازي القصيبي هو الدكتور، الوزير، السفير، الاديب، الشاعر والانسان

Share |

نعتّ السعودية “وزير الانسانية” غازي القصيبي رحمه الله، وسط حالة من الأسى والحزن العميق، فتكالبت الأيادي من كافة أنحاء الوطن العربي لتقديم العزاء، وفي مقدمتها أيادي المختلفين معه قبل المحبين له إنها خسارة, ولكنها سُنة الله في خلقه ، فالدكتور غازي القصيبي لم يكن مجرد وزير أو سفير أو أديب أو شاعر أو مفكر أو فيلسوف، بل أعظم فهو الانسان بحق، ولايُعد رثاء الموتى نفاقاً بقدر ماهو حق يجب علينا، مهما اختلفنا أو اتفقنا حول أفكاره.

الصعب لا يولد إلا من رحم الصعاب
أم متوفية وأب صارم وجدة تُعطيه الشفقة اللامتناهية مع عدم وجود أقران بعمره يؤنسونه، كانت تلك هي الظروف التي تربى فيها الدكتور غازي القصيبي، والتي أتاحت له قدر كبير لانتهاج فلسفته الخاصة وأتاحت له القدرة التي تميز بها في الجمع بين الحزم الشديد والانسانية المفرطة والابداع الكاسر لكافة القيود.

وبقدر وظائفة وإهتماته المتعددة كان تعليمة كذلك، فنال ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، والماجيستير بالعلاقات الدولية من الولايات المتحدة، والجدير بالذكر في تلك الفترة إنه بعد أن حصل على الماجيستير ورجع للوطن فقد تم تعيينه في “جامعة الرياض” ليقوم بلصق صور الطلاب على استمارات الامتحان وذلك لعدم توفر وظيفة حينها بالجامعة، وقام بتنفيذ تلك المهمة عن طيب خاطر متحدياً اليأس.

حصل على الدكتوراة بالعلاقات الدولية من جامعة لندن وكان عمره حينها 31 عام. ولم يقتصر فقط عمله في المجال الاكاديمي، بل كان عضو رئيسي و هو في سن الصغير بالكثير من اللجان المهمة بوزارة الدفاع والطيران ووزارة المالية والاقتصاد.

الوزير إبن 35 عام فقط
عدة سنوات قليلة من العمل بالوزارات حتى فتحت أمامه أعلى المناصب بها، ليتولى وزارة الصناعة والكهرباء وعمره 35 عام، وقد إستطاع منذ حينها أن يحفر أسمه على الانجازات الهائلة بهذا القطاع والتي كان أبرزها تغطية أغلب المملكة بالكهرباء وإنشاء “سابك” عملاق البتروكيماويات.

ثم انتقل بعدها ليتولى وزارة الصحة عام 1982، والتي بني فيها بيده بعض المستشفيات الكبيرة وأرسى الكثير من المفاهيم والاجراءات المشددة بالوزارة. ولا يمكن أن ينسى أي من ولد بتلك الحقبة الزمنية بطاقات التهنئة التي كان يكتبها بخط بيده لكل مولود والمرفق معها صورته لحظة مولده فهي أحد اللفتات الجميلة من قبله, وبعدها إنتقل للسلك الدبلوماسي فكان سفيراً في دولة البحرين أولأً ثم في بريطانيا ثانياً, ليرجع بعدها للعمل الوزاري فتولى وزارة المياة والكهرباء، وأخيراً وزارة العمل.

القصيبي عقدة الوزراء
كان للوزير غازي القصيبي أسلوب ونمط خاص ومبدع في الادارة، فالزيارات المفاجئة كانت الشيء العادي، وحضوره الشخصي أوقات الازمات هو الامر المعتاد. فيذكر حينما كان بوزارة الصناعة والكهرباء عندما يقطع الكهرباء فإنه كان يجلس بنفسة ليتلقى الشكاوي الهاتفية. ويذكر كذلك أنه عندما كان بوزارة الصحة كان يقود بنفسه سيارات الاسعاف ليفسح الطريق امام المستشفيات والمستوصفات بسبب إفتراش الحجيج للطرقات.

الفنان الذي جرح بيد فنه
عرف عن الدكتورغازي القصيبي ولعه ونبوغه الشديد بالادب والشعر والفكر، فكانت له أعمال فنية دائمة تعبر عن أغلب التجارب التي مر بها، وكان لايخشى في أعماله أي عوائق سياسية أو أي عوائق أخرى، فقط كان يكتب ما يجول في خواطره الفنيه، وهو الامر الذي جلب له العديد من الازمات مع تيارات فكرية مختلفة لدينا, فيُذكر أن أحد أسباب إنتقاله من سفير ببريطانيا الي وزير المياة والكهرباء هو قصيدة “الشهداء” التي نتجّ عنها إنهيار دبلوماسي بينه شخصياً وبين البريطانيين.

الوزير الذي إختار مصلحة شعبه على مصلحة شعبيته
تسلم الدكتور غازي القصيبي وزارة العمل والبطالة تعدت نسبتها الاجمالية 10%، وأعداد ضخمة من الوافدين الاجانب على سوق العمالة السعودي, بالطبع الوزير الواعي لمصلحة وطنه رفض تلك الحقائق وغيرها بالعديد من الحلول التي لم تكن من تأليفه قط بل من تأليف المثقفين السعوديين عبر منادتهم بها منذ سنوات عدة، ولكن لم يكن هناك جرأة للتنفيذ من قبل الوزراء السابقين، فتلك الحلول تمسّ بشكل مباشر مصالح فئة ليست بالهينة من المواطنين السعوديين الذين كانو يرتزقون من نظام التأشيرات.

لقد تحدى القصيبي معضلة المتاجرة بالتأشيرات فقام بإصدار القوانين التي تحدّ من إستخراج التأشيرات، وقدّم يده لشبابنا حتى يأخذ حقه من خيرات البلدّ، وأعلن رفضه القاطع لمعونات البطالة وأهتم بدل من ذلك”بصندوق تنمية الموارد البشرية” لتأهيل الشباب والعاطلين للعمل. ولمّ تلقى تلك الاجراءات القبول.

صحيح أن هذه السياسة التي رسمها لوزراة العمل حصل حولها الكثير من الإختلاف والمعارضة إلا أنها تبقى حلول الوزير ومحاولاته التي يُشكر عليها والتي لم يقدم بعض منها أي وزير سابق، فلم نسمع قبله عن أي دور لوزارة العمل إلا استخراج التاشيرات ومسابقات التوظيف وبعض الأعمال التنسيقية.

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك