|

كذبة المواسم

Share |

محمد اليامي رمضانمحمد اليامي

لا يوجد شيء اسمه مصاريف شهر رمضان المبارك؛ فالمفترض أن تنقص المصاريف في شهر خصص للصوم والعبادة، حتى لو زادت قليلاً في آخره استعداداً للعيد.

إنها كذبة أنشأها التجار، وصدقها الناس مع الوقت وإلحاح العبارات التي توحي بذلك، إلى درجة أن بدأ البعض يطالب ببدل أو بمبلغ مقطوع لكل مواطن.

تأمل جدياً، أو تذكر بوضوح، كم موسماً يحاول التجار إقناعك به: أولاً موسم العودة إلى المدارس، ومقابله موسم الإجازة الصيفية، وموسم رمضان، ومعه العيد، ويقابله موسم عيد الأضحى المبارك، وهناك موسم إجازة الربيع، وموسم اليوم الوطني حديث النشأة في السوق… ماذا أيضاً؟ ربما فاتني شيء، لكن لاحظ أن التاجر فيها جميعاً يعرض عليك التخفيضات، والعروض الخاصة، والهدايا، والمفاجآت.

هل يجب أن تتحمل الدولة كل موسم لمجرد أننا صدقنا أنه كذلك، لا يوجد سوى موسمين من هذه هما العيدان اللذان نعرف أن فيهما التزامات محددة للأسرة المسلمة، ليس من بينها السيارة الجديدة دون دفعة أولى، أو جهاز التكييف الذي تدعوك إليه بغنج فاضح ممثلة عربية، وهما بعيدان كل البعد عن مقابض الألمنيوم الجديدة بالأسعار القديمة.

موسم العودة إلى المدارس يمكن أن يكون عبئاً على الأسرة إذا صدقوا كل ما يقال، وإذا اعتبروا أن تعليم أبنائهم ليس جزءاً من حياتهم وإنفاقهم المعتاد؛ فالبعض يعتبر الإنفاق على الأجهزة الحديثة للأطفال المدللين شيئاً أهم من الإنفاق على تعليمهم أو مستلزمات تعليمهم.

الفكرة أن التجار يهدفون من كذبة المواسم إلى تعويض النقص المتوقع خلالها، وهو النقص المفترض بطبيعة الأشياء، لكن انسياق الناس وراء الإعلانات، وبدقة أكثر وراء شهوات الامتلاك والاستهلاك، جعلهم ينجحون في فرض هذه المواسم على الذهنية العامة، وباتت من المسلمات المعيشية، بينما العاقل أو الحصيف لا ينساق إليها، وأضيف إليهم المغتربين الذين يديرون إنفاقهم بدقة متناهية وبحرص شديد؛ لظروفهم هنا، ولظروف عائلاتهم هناك في أوطانهم.

الغريب أن مَن يحاول تثقيف عائلته أو مجتمعه الصغير، تكون أولى التهم الموجهة إليه هي البخل والتخلف، ولو نظرت إلى حال الناصح والمنصوح لوجدت الأرقام والحقائق تخبرك بمن هو الذي يعيش الواقع وذلك الذي يعيش الوهم الذي صنعه له أباطرة التسويق، وخبراء نفسيات المستهلكين، ومن ورثوا فكر الطفرة الاستهلاكي، خصوصاً من النساء والأطفال.

من حق التاجر أن يثبت دوماً شطارته، ومن حقك أن تتبع أهواءك الشرائية، أو تفكر في أوضاعك الاقتصادية؛ فالحرية مكفولة للجميع، وهي سمة اقتصادنا إلى حد كبير، وأتمنى مع كل موسم وبكائيات المصاريف أن تتحقق الحرية للبعض من قيد وهمي فرضه المجتمع بناءً على كذبة تجارية.

* صحيفة الحياة السعودية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك