|

صدقة عملية

Share |

محمد الياميمحمد اليامي

في رسم كاريكاتوري معبر للفنان عماد حجاج الشهير بأبي محجوب، يصور امرأة معدمة ومعها «شلقة» أطفال تستجدي امرأة تسير في الشارع وتدفع أمامها عربة طفل واحد، فتقوم الأخيرة بإعطائها «حبوب منع الحمل».

تأملت الرسم و مقابلة قصيرة مع الشيخ أحمد بن باز قبل أكثر من عام، يتحدث فيها بوعي ديني وتنموي واقتصادي عن أهمية تقنين النسل وليس تحديده، وهو المطلب الصحي التعليمي وربما الفقهي الذي سيحقق لنا مبدأ مكاثرة الأمم نوعياً، بدلاً من مكاثرتها كمياً، وقد انهزم الكم أمام الكيف في العصر الحديث.

الأوضاع الاقتصادية بدأت تُعلّم الناس أو تقنعهم بفكرة النوع مقابل الكيف، أو فلنقل بعض الناس، لأن مفاهيم رجالية حول «العزوة» لا تزال تهيمن على الكثيرين، وهي هيمنة مقبولة وفيها بهجة، ومذكور أنها من زينة الحياة الدنيا، واحسب ذلك عند القدرة المادية والجسدية، أما في حال الفقر والعوز فالأمر ربما لا يكون بهذه الصورة، مع التأكيد على الاقتناع بمبادئ ثقافتنا حول الرزق والقدر.

الكثير من السيدات تنجب فقط من أجل إثبات شيء ما، أو لفكرة قديمة، أن كثرة الأبناء تجعل الأب يعيش متوالية هندسية من الكدح النفسي والمادي تجعل معادلة هروبه أو طيرانه إلى عش آخر صعبة، ويحدث أن تملأ هي عشّه فيضيق بكثرة «الكتاكيت»، ويهرب إلى «كتكوتة» يتوهم أن لديها الخلاص من الحصار، فيضع نفسه في حصار «خصوبة» جديد.

تأملوا في الرجل المتقاعد مثلاً، تجده لا يزال يعيش مسؤولية أبناء وبنات في سن صغيرة نسبياً، يفقد استمتاعه بالحياة، ويبقى يدور في حلقة مفرغة من الروتين، تخيلت ذلك عندما همس لي أحد كبار السن يوماً بأنه ظل 40 عاماً يوصل الأبناء من الجنسين للمدارس جيئة وذهاباً، تخيلوا ذلك، حاولوا رؤيته بتجرد، أربعة عقود من الزمن يقوم بالخدمة.

لا تعارض بين تقنين النسل، والإيمان بأن الله كفيل بكل مخلوق، فالمولى نهى عن قتل الأبناء خشية الإملاق، وأحياناً يكون الإنجاب ثم الإهمال، أو التقصير المتعمد، وهذا نوع من وأد إنسان في خضم حياة حديثة لا ترحم، وظروف اجتماعية واقتصادية ربما عجز الأب أن يتواءم معها هو، فكيف بمن لا يستطيع تربيتهم؟

اثنان أو ثلاثة من الأبناء يتوفقون بإذن الله في أن يكونوا شيئاً مميزاً علمياً وعملياً يعين والديهم، ويبهجهم، ويضيف لمجتمعهم ووطنهم، خير من أعداد كبيرة لا تفعل، أو حتى تهدم في الاتجاه المعاكس.

الخصوبة يجب أن تكون في الأفكار والوسائل، والمرأة التي لم تفز بقلب زوجها لذاتها، لن تفوز به بتحويل بيته إلى حضانة حتى لو كان الأطفال يخلقون مودة ورباطاً، ويوثقون عرى الزواج.

* صحيفة الحياة السعودية

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك