|

الوصية كأسلوب استثمار بعد الوفاة..!

Share |

كتبه: د.يوسف بن أحمد القاسم

الوصية من الأحكام التي شرعها الإسلام لما فيها من مصالح كثيرة للموصي وللموصى له, والعدل أمر به الإسلام في كل شأن من الشؤون, ومنه العدل في الوصية, ولهذا أذن الله تعالى في تعديل الوصية الظالمة التي عبر الله عنها بالجنف في قوله: (فمن خاف من موص جنفاً أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه), ولا ريب أن الجور في الوصية كبيرة من كبائر الذنوب, يلحق جريرتها الموصي وهو في قبره, وإذا فُضِّل أحد بغير حق في الوصية فلا يجوز له أن يأخذ ما فضل به, كأن يوصى له وهو وارث, دون سائر الورثة, وقد نهى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ عن الوصية لوارث؛ لأن الله تعالى تولى القسمة للورثة بنفسه في كتابه الكريم, وفي سنة نبيه ــ صلى الله عليه وسلم.

وقد قرر المحققون من أهل العلم أن الوصية تنعقد بأي لفظ تدل عليه. ولسد ذريعة الإضرار بالورثة, أو بعضهم, فقد منع الشارع من عطية المريض مرض الموت بأكثر من ثلث المال, أو من الوصية بأكثر من الثلث حتى ولو كان الموصي ثرياً, فهذا سعد بن أبي وقاص ــ رضي الله عنه ــ تقدر ثروته بـ ”مائتين وخمسين ألف درهم” كما جاء في بعض كتب السير- وهذه ثروة لها ثقلها في القرن الأول الهجري – ومع ذلك نهاه النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ من الوصية بأكثر من الثلث, مع أنه لا يرثه إلا ابنة واحدة, كما جاء في الصحيحين أنه قال: (عادني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ــ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت, فقلت: يا رسول الله, بلغني ما ترى من الوجع, وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة, أفأ تصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: أفأ تصدق بشطره؟ قال: لا, الثلث والثلث كثير, إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس..)، وهذه المراجعة منه رضي الله عنه للنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ تدل على حرصه على الاستثمار في الصدقة بعد الوفاة كحرصه على الاستثمار في المال حال الحياة, وبأعلى رقم ممكن..! فقد كان ــ رضي الله عنه ــ يتطلع إلى أن يتصدق بثلثي ماله؛ لأنه لا يرثه إلا ابنة واحدة, وظل يراجع النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـ ليوصي بالأكثر من ماله, فلا يأذن له ــ صلى الله عليه وسلم ــ إلا بالثلث؛ لئلا يجحف بورثته, مع كونه لا يرثه إلا ابنة, إذن فكيف بمن يرثه أكثر؟ وكيف بمن لم يكن ثرياً؟ ولهذا استحب بعض السلف أن تكون الوصية بمقدار الربع, وبعضهم يرى أن تكون بمقدار الخمس, وفي تقديري أن هذا يختلف باختلاف حال الورثة, ومقدار ملاءة الموصي المالية, وقد أشرت إلى قصة سعد ــ رضي الله عنه ــ في مقالي الأسبق بعنوان:”قائمة أثرياء الصحابة..”.

والوصية أسلوب استثمار في الدار الآخرة كالاستثمار في الوقف ـ مثلا ــ إلا أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الوفاة, وأما الوقف فينفذ حال الحياة, ويخطئ الكثير من الناس, فيوقف عقاراً له مثلا حال حياته؛ ليتصرف فيه حال حياته, أو ليحبس الورثة عن التصرف فيه بعد وفاته, ثم يتصرف فيه تصرف الملاك, فيبيعه إذا زهد فيه أو احتاج إلى ثمنه, مع نصه في الوصية أنه وقف, وبمناقشته في صنيعه هذا, يقول: أنا نويت أنه وقف بعد وفاتي..! وهذا لا يصح؛ لأن الوقف إذا كان معلقاً بالوفاة, فهو وصية لا وقف, وبالتالي فإنه لا ينفذ منه إلا الثلث, فلو كان العقار- منزلا مثلا – هو كل ما يملكه الموصي, فإنه والحالة هذه يكون ملكاً للورثة في ثلثيه, وهكذا.

والوصية لها أحكام عدة, أكتفي هنا بالمهم منها, وهو الوصية بما هو واجب, وبما هو مستحب, فالوصية بما هو واجب أن يوصي الموصي بما عليه من الحقوق والالتزامات تجاه الناس, فإذا كان – مثلا – مديناً لأحدٍ بمبلغ ما, فإنه يجب أن يوضح قدر هذا الدين في الوصية, وإذا تجدد وانضاف إليه دين آخر فعليه أن يبادر بتجديد ما تجدد في ذمته دون تأخر؛ لئلا يباغته الأجل قبل إفصاحه عن الدين الذي في ذمته, ورضي الله عن ابن عمر, فإنه لما سمع النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقول: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) قال: (والله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقول ذلك إلا ووصيتي مكتوبة عندي) وربما بادر بكتابة الوصية وليس عليه شيء واجب في ذمته, ولكن امتثالاً لأمر النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالوصية. وهنا يبلغ العَجَب مداه من أثرياء يملكون الملايين وربما المليارات، لا يرفعون رأساً بتدوين ما عليهم من حقوق والتزامات في الوصية, ليبقى غنم المال للورثة, ويرجعون بغرمه, يحملونه أثقاله وزراً يوم القيامة, وهذا الغبن الحقيقي, وهذا فضلاً عن استغنائهم بالوصية بما يعود عليهم نفعه وهم في قبورهم.

وفي الوقت ذاته، يبلغ الاحترام مداه لأثرياء استثمروا في الوصية وفي الوقف كاستثمارهم في الحياة بتحصيل المال, وبناء الثروة, وقد استمعت مرة عن بعض المواقف الشخصية لأحد الأثرياء في بلادنا, وقد ذكر منها أنه عدَّل وصيته مرات عدة, آخرها المرة (السابعة والعشرين..!) حتى إنه جعل الوصية – التي ادخرها له بعد وفاته – تملك كما يملك سائر الورثة, ولها حق الشفعة لو أراد أحد الورثة أن يبيع نصيبه من التركة, مما ورثه الموصي من عقارات ونحوها, وهي عقلية استثمارية تجاوزت حدود الدنيا إلى ما بعد الممات. وهذه من المواقف المشرفة التي ينبغي أن يقتدى بها, وهو يقودنا إلى الحديث عما يستحب الإيصاء به من عقارات وأموال, حيث يوصي بأن ينفق شطر من ماله في أفضل مجالات الخير, مما تمس إليه الحاجة فعلا, لأن الوصية بهذا من العمل الصالح, وهو الشيء الوحيد الذي يتبع الميت إذا حمل إلى قبره, فقد جاء في معنى الحديث الصحيح أنه لا يتبع الميت إلى قبره إلا عمله الصالح, ومنه الوصية بالمال في مجالات الخير, وفي الحديث الصحيح (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) وذكر منها (صدقة جارية). نسأل الله تعالى ألا يحرمنا واسع فضله.

* صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك