|

البطاقات الائتمانية.. وترشيد الاستخدام

Share |

د.صلاح بن فهد الشلهوبد.صلاح بن فهد الشلهوب

البطاقات الائتمانية هي شكل من أشكال التطور في الخدمات المصرفية، حيث إن التاريخ الإنساني شهد تطورا في المبادلات والبيع والشراء، فبعد أن كان الاعتماد على المقايضة في المبادلات، تطورت عملية المبادلات في عصر البابليين لتكون من بالذهب، نظرا لما للذهب من قيمة في نفوس الناس وندرته وأنه معدن نفيس لا يطرأ عليه التغير بحيث يبقى لمدة طويلة جدا دون تغير. ثم تطورت المسألة إلى أن استخدم الصينيون الجلود، حيث جاء في كتاب رحلة ابن بطوطة أنهم كانوا يستخدمون الكاغد في البيع والشراء، ثم تطورت عملية استخدام النقود إلى أن استخدم الإنسان الورق بدلا من الذهب في المبادلات اعتمادا على رصيد من الذهب أو الفضة، ثم انفك المعدن النفيس عن الأوراق النقدية لتكتسب قوتها من الثقة بالجهة المصدرة لها. استمر هذا التطور إلى أن بدأ في العصر الحاضر استخدام النقود الإلكترونية من خلال قطع بلاستيكية صغيرة تسمى البطاقة الائتمانية credit card، التي بدأ استخدامها في عام 1950 من خلال شركة أمريكان إكسبرس التي سميت في ذلك الوقت Diners Club، ثم ظهرت شركات أخرى منافسة، إضافة إلى أن البنوك بدأت في إصدار بطاقات للحسابات الجارية، لتسهيل خدماتها الإلكترونية، ولتخفف من التكاليف التشغيلية.

البطاقات الائتمانية تعتبر أداة استدانة، بمعنى أن المستفيد يقترض بها للحصول على سلعة أو خدمة ليسدد ذلك المبلغ لاحقا، خلال مدة سماح محددة، والبطاقات الائتمانية التقليدية تتضمن شرطا مقتضاه أن التأخر في السداد يؤدي إلى دفع فائدة على القرض. أما فيما يتعلق بالبطاقات الائتمانية التي تسمى إسلامية فإن لها صورتين الأولى لا تتضمن غرامة بسبب التأخير، ولكن تتشدد البنوك في إصدارها وفي عملية الإلزام بالسداد، والنوع الآخر يتضمن إلزام صاحب البطاقة بالسداد أو التوكيل للدخول في عمليات التورق التي ينتج عنها زيادة في قيمة القرض الأساسي.

البطاقات الائتمانية لا شك أن لها ميزات كثيرة للمستخدمين كسهولة حملها، والمحافظة على المال من السرقة والتلف، رغم وجود المخاطر الإلكترونية التي أدت إلى عمليات سرقة إلكترونية تتجاوز حدود المكان، ويبقى السؤال: هل الانفتاح الكبير الذي نشهده اليوم على البطاقات الائتمانية ظاهرة إيجابية مطلقا في المجتمع؟

مما سبق فإن البطاقات الائتمانية تقدم خدمات مهمة ومميزة في الخدمات البنكية، ولكن تكمن خطورتها في أنها عملية استدانة دون قيود قد يؤدي استخدامها إلى مظاهر سلبية في المجتمع. فنحن نتذكر أن مؤسسة النقد في وقت من الأوقات لما شاهدت إقبال الأفراد على الاقتراض بشكل مبالغ فيه بغرض الاستهلاك، فرضت قيودا أكثر تشددا على قروض الأفراد، حيث لا تتجاوز مدة السداد خمس سنوات، مع الالتزام بأن يكون الحد الأقصى للقسط في السداد لا يزيد على ثلث الراتب تقريبا.

أما في البطاقات الائتمانية فإن الشخص يمكنه الحصول على أكثر من بطاقة ائتمانية بحد ائتماني يفرضه البنك قد يصل إلى أكثر من راتب العميل، فعلى سبيل المثال لو تمكن شخص من الحصول على أربع بطاقات ائتمانية ـــ وهو أمر ممكن ــــ بحد ائتماني لكل بطاقة يعادل 15 ألف ريال فإنه يمكنه اقتراض مبلغ قدره 60 ألف ريال، ومع ولع بعض الأفراد الاستهلاكي، ووجود بعض المبالغة في الإنفاق في المناسبات الاجتماعية، فإنه من المتوقع أن يبالغ البعض في الاقتراض خصوصا مع عدم وجود ما يمنع ذلك، بل يوجد تحفيز لذلك من قبل البنوك من خلال بعض العروض التسويقية. ومشكلة قروض البطاقات الائتمانية أكثر تعقيدا من القروض أو أدوات التمويل الأخرى، حيث إن الفائدة أو الغرامة على التأخير في السداد قد تتجاوز شهريا 2 في المائة، بمعنى أنها قد تصل إلى حدود 25 في المائة سنويا، وهذا يتجاوز بكثير تكلفة التمويل المباشر، ولذلك نجد أنه بعد أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، كثر الحديث عن احتمال حدوث كارثة ديون أخرى في البطاقات الائتمانية، والسبب حجم القروض من خلال البطاقات الائتمانية حتى أصبح الكثير من المواطنين مدينا لهذه البطاقات.

ولذلك من المهم الترشيد فيما يتعلق بالبطاقات الائتمانية، حيث يكون هناك توعية المجتمع بالطريقة المناسبة لاستخدام هذه البطاقات وخطورة المبالغة في استخدامها، وأن يكون لدى مؤسسة النقد خيارات وحلول في حال وجد تجاوز في استخدام البطاقات الائتمانية من قبل الأفراد بشكل قد يؤدي إلى وجود تركم كبير للديون. كما أنه من الأهمية بمكان أن يكون لدى الفرد الشعور بالمسؤولية عند استخدام مثل هذه البطاقات، حيث يستخدمها بشكل مرشد يتناسب مع إمكاناته المادية.

فالخلاصة أن البطاقات الائتمانية تطور كبير في الخدمات المصرفية ومع هذا التطور أصبحت الحاجة إليها أكبر لدى البعض، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على خطورة كبيرة بسبب ما تتضمنه من سهولة في الاقتراض، وتكلفة عالية في الغرامات والفوائد عند التأخر عن السداد ومسألة التوعية والترشيد في الاستخدام أمر مهم بعد توسع البنوك في تقديم هذه الخدمة للأفراد.

* صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك