|

الأضحية بين ارتفاع الأسعار .. وفضل تأدية الشعيرة

Share |

كتبه: د.صلاح بن فهد الشلهوب
تعد الأضحية واحدة من الشعائر العظيمة التي يتميز بها موسم الحج، وهي سنّة أبينا إبراهيم ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ، وقد كان النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ يضحي، وكذلك أصحابه ـــ رضي الله عنهم ـــ وأمته من بعده. ويرى جمهور الأئمة أنها سنّة مؤكدة، في حين أن بعض الفقهاء يرى وجوبها للموسر.

وعلى كل حال، فأقل أحكامها الاستحباب، فهي من هدي المصطفى ـــ صلى الله عليه وسلم. وشعيرة قال الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ فيها (فصلّ لربك وانحر) (الكوثر: 2) وقال تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام…) (الحج: 34). وقال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمْرِتُ وأنا أول المسلمين) (الأنعام: 162-163) والنسك المقصود به الذبح. وقد ورد عن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أنه قال: ”ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة دم فطيبوا بها نفسا”.

ففضل الأضحية أمر لا شك فيه، بل يرى بعض الفقهاء أنها أفضل من الصدقة كما جاء في تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم، حيث أورد رأي الإمام أحمد في تفضيل العقيقة على التصدق بثمنها، ثم قال بعد ذلك: ”فكان الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه ولو زاد من الهدايا والأضاحي، فإن الذبح نفسه وإراقة الدم مقصود؛ فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: (فصلّ لربك وانحر)”.

والحقيقة، أنه مع ارتفاع الأسعار الذي تشهده السوق المحلية، خصوصا في أسعار الماشية، أصبح هناك مجموعة من المواطنين يتردد في أداء هذه الشعيرة، خصوصا مع الالتزامات التي تلازم مواسم الأعياد عادة، بشكل أصبح معه المواطن لا يطيق كثيرا من هذه الالتزامات؛ مما يترتب عليه في كثير من الأحيان استهلاك مدخراته أو الاستدانة.

وبناءً عليه، فما موقف المسلم من هذه الشعيرة العظيمة في ظل هذه المتغيرات؟

من المعلوم، كما سبق، أن جمهور أهل العلم على أن حكم الأضحية أنها سنّة مؤكدة ليست لازمة على غير القادر عليها حتى لو قيل بوجوبها، لكن هناك قضايا لا بد أن يأخذها المواطن في الاعتبار:

أولا: أن هذه شعيرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العام، واغتنامها مهم لكل مسلم؛ لما فيها من تعظيم شعائر الله.

ثانيا: أن هذه العبادة في هذا الوقت هي من أفضل القُرب، إذ إنها تشتمل على أكثر من عبادة في وقت واحد وتبرز تميز هذه الأيام عن غيرها من أيام السنة، وتعكس جانب الفرح الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم هذه الأيام.

ثالثا: أن حالة قلة ذات اليد سمة بارزة في عهد النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فقد كانت تمر عليه الأيام دون أن يكون في بيته قوت إلا التمر والماء، ومع ذلك كان ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وأصحابه يلتزمون هذه الشعيرة.

رابعا: من المهم أن يعي المواطن أن الأضحية ليست شرطا أن تكون من نوع واحد أو اثنين من الغنم، التي غالبا ما تكون أثمانها عالية، فهي تقبل من أي أنواع الغنم والماعز إذا استوفت الشروط اللازمة للأضحية، بل إنه من الممكن أن يشترك سبعة أشخاص في الإبل أو البقر، وهذا قد يخفض التكلفة إلى ما يقارب النصف.

والحقيقة أن موضوع ارتفاع أسعار الأضاحي يدعو إلى تساؤل، وهو: ما سبب وصول أسعار الأغنام في السوق المحلية إلى هذه الأرقام القياسية، رغم أنها في بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا، وقد يكون ذلك أيضا في أستراليا ونيوزلندا ـــ وليس في دول فقيرة ـــ قد تصل أسعارها إلى ما يقارب ربع القيمة مقارنة بأسعار الأغنام في السوق المحلية؟ مع العلم أن حجمها وجودتها لا يقلان، بل قد يكونان أفضل مما هو موجود، وهذا يثير أكثر من تساؤل:

هل هناك مبالغة في الاستهلاك وإسراف أدى إلى هذه الارتفاعات في الأسعار؟ وهل هناك خطط توعوية للمجتمع تتعلق بذلك؟

هل الصورة الذهنية لدى المواطن أسهمت في عدم التفكير في خيارات أكثر تنوعا لاستيراد المواشي الجيدة والتي تعد منافسا لنوعي النجدي والنعيمي؟ وهل هناك استراتيجية لتغيير هذه الصورة؟

هل هناك عوائق فيما يتعلق باستيراد المواشي من جهة نقلها والعناية بها لتصل إلى السوق المحلية بجودتها نفسها؟

هل هناك إشكال يتعلق بالمستوردين الذين يفضلون اختيار واستيراد الأرخص وبالتالي الأسوأ من جهة الجودة؟

هل هناك تكلفة كبيرة جدا للرعاية اللازمة للمواشي المستوردة لحين جاهزيتها للبيع في السوق المحلية إلى درجة أن تصل الأسعار إلى هذا الفارق الكبير؟

الحقيقة، أن السوق السعودية يفترض أن تكون من أرخص الأسواق؛ لعوامل عدة، منها الدعم الحكومي الذي يشمل نواحي متعددة، خصوصا فيما يتعلق بالسلع الأساسية، وانخفاض تكلفة الرسوم الجمركية، وعدم وجود ضرائب، وانخفاض تكلفة الأيدي العاملة، والوقود وغيرها.

وهذا دائما ما يجعل المواطن يتساءل لما هذه الارتفاعات الجنونية في أسعار بعض السلع، التي لا تتناسب إطلاقا مع الارتفاعات التي تحصل في دول أخرى في العالم، رغم ما تشهده تلك الدول من تقلبات متواصلة في أسعار الوقود، وتكلفة مدخلات الإنتاج وغير ذلك.

وبالتالي، فإنه ينبغي للجهات المختصة دراسة هذا الأمر، وتوضيح الأسباب بشفافية للمواطن، ووضع الإجراءات المناسبة، وتقديم المقترحات والحلول والتوصيات للجهات العليا، والعمل على وضع البرامج والخطط لرفع مستوى الوعي الاستهلاكي للمواطن.

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك