|

أرخصوه أنتم!

Share |

محمد المختار الفالكتبه: محمد المختار الفال

نستقبل هذه الأيام شهر رمضان، موسم الصيام والقيام والتقرب إلى الله، رجاء رحمته وطلبا لمغفرته، وتهذيبا للنفوس بكبح جماحها عن اتباع الهوى. وهو شهر يفترض أن يكون “فرصة” للتخفف من آثار الإسراف والتباهي في أصناف الأكل والشرب، ومحطة لإراحة الأجساد من تراكم الشحوم والسموم التي باتت تهدد صحة الملايين. وهو لحظة تأمل تساعد على تخليص النفوس من الأحقاد والضغائن والحسد وسوء الظن بالآخرين كما هو فرصة لتصفية الأسماع والأبصار من الضجيج وملاحقة ما يطرحه “تجار صناعة الترفيه” الذين استعبدوا الناس بغرائزهم واستدرجوهم – برضاهم- إلى شبكة من المغريات الذوقية والبصرية والسمعية حتى سلبوهم الإرادة فلم يعد الكثيرون قادرين على التوقف عن الركض في مضمار اللهو الذي لم يترك غريزة إلا استنهضها وحفزها ونشطها.. إنها صناعة “استعباد” الناس من خلال الغرائز.

و”ثقافة الاستهلاك” منهج طغى على حياة كثير من المجتمعات حتى بدا إحدى سمات الدول المتقدمة. وهو دعوة تقف وراءها “شبكة” مترامية الأطراف من أصحاب المصالح. وليست قاصرة على قطاع الترفيه وحده فالناس، في الغالب، يتسابقون لاقتناء المأكول والمشروب والملبوس والمركوب بأكثر من حاجتهم وأوسع مما تتطلبه الزينة الرشيدة التي تعبر عن آدميتهم وتنسجم مع إمكانياتهم حتى أصبحت عادة “الشراء” مرضا يلاحق الكثيرين. ومثل ما يفعل تجار الترفيه يفعله “صناع الاستهلاك” فهم يشتركون في اللعب على “تحفيز” الغرائز وتنشيط لعاب الاقتناء بالتفنن في ابتكار وتلوين المتاح واستمرار تجديد وسائل الإغراء. فقد اكتشف دعاة الاستهلاك الارتباط بين التقليد في الاقتناء وأثره على خلق مزاج عام يساعد على استدراج الأفراد إلى العادات الغالبة..

فهل يكون رمضان فرصة يتأمل فيها البعض عادات الاقتناء لديه؟ وهل يمكن أن يكون – وهو شهر الصفاء والسكينة- مناسبة لخلق مزاج عام لإعادة النظر في عادات الأسر في الإنفاق ومدى مناسبته لدخولها. لماذا يصر البعض على اقتناء الأشياء المرتفعة الثمن مع وجود البدائل الكثيرة في أسواقنا؟ إنه التقليد الذي يفقد الإنسان استقلالية القرار ويسلبه الإرادة ويجعله “أسيرا” لكلام من حوله حين يضع نفسه في دائرة المقارنات.

قبل فترة تابعنا “نجاح” وسائل الاتصال الاجتماعي في تكوين رأي عام ضد منتجات إحدى شركات الألبان حين رفعت سعر أحد منتجاتها دون سابق إشعار ودون مبرر فوقف الناس ضد هذا القرار. وكان لهذا الموقف أثره على الشركة حتى تدخلت وزارة التجارة فكان تدخلها “الغطاء” الذي وفر للشركة مظلة التراجع عن القرار الذي أضر مصلحتها دون أن تعلن أنها تراجعت بسبب ضغط المقاطعة.. وإذا كان الإعلام الاجتماعي الوسيلة التي مكنت الناس من التواصل حتى شكلوا “تيارا” مؤثرا فإن هناك حقائق على أرض الواقع هي التي جعلت لتحركهم أثرا محسوسا. هذا الواقع أو العامل المهم هو وجود “البديل” في السوق أي إن قانون السوق هو الذي دفع الشركة إلى التراجع لأن المستهلك انصرف عن منتجها المرتفع السعر إلى منتج آخر أقل سعرا منه. وهذا يعني أن للسوق أدواته ووسائله النابعة من طبيعته وهي التي توجه حركته وتضبط العلاقة بين المصنع والمستهلك هذا القانون هو العرض والطلب.

لست من أنصار تدخل الجهات الرقابية في تحديد الأسعار بصفة عامة لأن ذلك مناقض لمفهوم حرية السوق، فنحن سوق مفتوح وفيه عشرات الأصناف المتشابهة والمختلفة الأسعار إضافة لارتفاع الأسعار.. والمصنعون والتجار يراعون هذا الواقع ويتفاعلون معه لأنهم يرصدون مدى إقبال الناس على منتجاتهم فإذا حاول طرف أن يزيد في أسعار بضاعته فإنه مهدد بانصراف المستهلكين عنها.. وهذا القانون الذي يتحكم في السوق يصبح فاعلا وقادرا على ضبط سياسة التسعير كلما ازداد وعي الناس وتصحيح سلوكهم الاستهلاكي وزيادة ثقافتهم المالية التي تعلم الإنسان ألا يصرف أكثر مما عنده. كما يساعد على ذلك تنشيط الرقابة على حيل “الغش” بحيث يضمن المستهلك سلامة وصلاحية المواد المطروحة في السوق فهذا يشجعه على ترك ما كان يستخدمه إلى غيره دون ان تنتابه الشكوك في جودته.. لكن حرية السوق التي أتفق معها لها ضوابط واستثناءات توجب تدخل الجهات التشريعية والرقابية فـ”الاحتكار” يوجب تدخل الرقابة وفرض القيد على المحتكر لأن الاحتكار ليس من طبيعة السوق الحرة وكذلك تتدخل الجهات الرقابية والتشريعـية حـين تكون المواد معانة مـن الدولة لصالح المستهلك.

وثقافتنا فيها ما يدل على سياسة السوق الحرة وتطبيق قانونها. تحدثنا الروايات أن الناس جاؤوا إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقالوا له: غلا اللحم يا أمير المؤمنين فسعره لنا. فقال لهم: أرخصوه أنتم. فقالوا: هل نملكه حتى نرخصه؟ فكان رده الذي يعبر عن “قانون” السوق النابع من حركته: اتركوه لهم! هذه العبقرية العمرية تقول لنا ببساطة: لماذا ترتهنون لمادة واحدة طالما يمكن الاستغناء عنها. وإذا كان في سوق المدينة المنورة زمن ابن الخطاب، ما يساعد على إيجاد “البديل” فماذا نقول نحن عن زمننا الذي تحولت فيه المدن إلى “مولات” يحتار المرء في تنوع محتوياتها.

ليس الهدف من هذا الكلام مقاطعة المنتجات الوطنية بل الهدف الأساس هو أن تكون لدينا “إرادة” التوقف عن ما يمكننا الاستغناء عنه ثم التربية والتعرف على البدائل التي تؤدي لنا احتياجاتنا دون أن نضطر للخضوع إلى أي جهة تريد ابتزازنا.

* صحيفة الوطن

الوسوم: , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك