|

ما الذي سيضر الشركات عند حصول عرض كبير على أسهمها؟

Share |

موقع أموالي, د. محمد آل عباسكتبه: د. محمد آل عباس
تأثير المعلومات الاقتصادية التي تتعرض لها الشركة والتي تنعكس في قوائمها المالية على سعر السهم، فسعر السهم هو الذي يعكس المعلومات وليس العكس، أي أن الشركة وقوائمها المالية لا تتأثر بما يحدث لسعر السهم سواء انخفض أو ارتفع.

ورد هذا السؤال إلى بريدي وكان على النحو الآتي: ما الذي سيضر الشركات عند حصول عرض كبير على أسهمها؟ هل سيؤثر هذا في أرباح الشركة, بمعنى هل ستتأثر قائمة الدخل للشركة أو قائمة الميزانية؟ كان من السهل أن أختصر الإجابة وأرد ببساطة بأنه لا تأثير لحركة السهم في أرباح الشركة ولا قوائمها المالية, لكن هذه الإجابة غير دقيقة بشكل كامل, هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى, فإن مسألة علاقة القوائم المالية بأسعار الأسهم علاقة يكتنفها كثير من التعقيد لدرجة أن الإجابة البسيطة لن تكون مرضية. ولأن الموضوع مهم فقد آثرت أن أكتب هذا المقال إجابة عن السؤال ولفتح باب النقاش في هذا الموضوع المهم لاعتقادي أن هذا الموضوع شغل كثيرا من غير المختصين.

القوائم المالية تعكس الأحداث الاقتصادية التي مرت على الشركة, لكن فقط تلك الأحداث التي يمكن التعبير عنها في وحدات مالية. كثيرا ما تتهم المحاسبة بسبب نزعتها التاريخية, ومع ذلك فإنها تظهر نتائج بعض الأحداث المحتمل حدوثها في المستقبل المنظور, لكن بشروط فرضتها المعايير المحاسبية. تظهر الأحداث المالية التاريخية وتأثيراتها في شكل أربع قوائم, وهي: قائمة المركز المالي, قائمة الدخل, قائمة التدفقات النقدية, وقائمة الأرباح المحتجزة. قائمة المركز المالي (الميزانية) تشبه الصورة الفوتوغرافية لكل ما للشركة وما عليها في لحظة من الزمان. قد تتغير الأوضاع بعد تلك اللحظة زيادة أو نقصا لذلك يجب على معد القائمة أن يوضح بجلاء التاريخ الذي التقطت فيه الصورة. قائمة الدخل توضح حركة ونتائج نشاط وأعمال الشركة من الإيرادات ومصادرها والمصروفات ووجهتها والفرق بينهما يظهر كربح أو كخسارة للنشاط، لكن من الضرورة بمكان معرفة أن المصروفات والإيرادات تظهر بأرقام ذات قيمة مهمة, فالمصروفات والإيرادات ذات القيم الصغيرة تدمج في القائمة وتشرح في الملاحظات المرفقة. قائمة التدفقات النقدية تظهر حركة النقد الداخل للشركة ومصادرها وحركة النقد الخارج من الشركة مصنفة حسب أسبابها, كل ذلك بتفصيل أكبر وإفصاح أشمل. التأثير النهائي لكل هذه الأحداث في حقوق حملة الأسهم (الملاك) يظهر في قائمة الأرباح المحتجزة. هذا الشرح الموجز ـ وهو إيجاز مخل ـ ضروري لفهم تأثير حركة السهم في أرباح الشركة.

من المفروض نظريا أن يعكس السهم المعلومات التي تظهر في القوائم المالية, وعلى وجه الخصوص رقم صافي الأرباح ورقم ربحية السهم, إضافة إلى المعلومات الخاصة بالتوزيعات النقدية. المفترض أيضا أن من قام بشراء سهم الشركة إنما اشتراه استثمارا الهدف منه الحصول على العوائد النقدية التي ستدفعها الشركة، هكذا في النظرية, لذلك فإن سعر السهم يجب أن يحمل سعر الاكتتاب الأولي (عشرة ريالات), إضافة إلى التوقعات كافة حول المبالغ النقدية التي ستوزعها الشركة التي عادة ما تكون في صورة رقم صافي الأرباح ورقم الأرباح المحتجزة. سعر السهم يعكس ـ نظريا ـ كامل حصة المساهمين في الأصول (صافي الأصول بعد طرح الديون), التي تمثل رأس المال المساهم به, إضافة إلى الأرباح المحتجزة والاحتياطيات. وهذا هو السبب الذي يجعل سعر السهم ينخفض بعد توزيع الشركة الأرباح, حيث ـ نظريا أيضا ـ نقصت حصة المساهمين من الأصول بحجم المبالغ النقدية التي وزعت عليهم. لكن مرة أخرى هذا في النظرية لكن الواقع العملي مختلف كثيرا, فالسهم لا يعكس فقط حقائق قيم صافي الأصول, بل كذلك التوقعات الاقتصادية عن أداء الشركة الذي يرتبط بالأداء الاقتصادي الكلي للبلد, فعندما يعاني البلد اقتصاديا أو يمر بأزمة مالية فمن المتوقع أن ينخفض أداء الشركة, وبذلك قد تتعرض للخسائر أو نقص في الأرباح, وبالتالي تنخفض التدفقات النقدية. هنا يسبق السوق (سعر السهم) أداء الشركة ويعكس التوقعات وليس القوائم المالية. وهنا يأتي صراع المتفائلين والمتشائمين, إضافة إلى التأثير الهائل للإعلام الاقتصادي, الذي غالبا ما يكون متشائما.

هناك كثير من الدراسات العلمية التي حاولت فهم علاقة سعر السهم بكل هذه التفاصيل, فدرس المحاسبون سلوك الأسواق مع إعلان الشركة للقوائم المالية, وهل فعلا يستجيب سعر السهم للمعلومات المعلنة عن صافي الأرباح والتدفقات النقدية؟ هذه الدراسات هي التي أسست لنظرية كفاءة الأسواق والفهم العميق للتأثير الخطير لتسريب المعلومات, وهو ما يسمى الاتجار بالمعلومات الداخلية, حيث ثبت أن هناك من يسرب المعلومات الاقتصادية الخاصة بالشركة ذات الأثر المهم في الأرباح ومن ثم استباق توقعات السوق والاستفادة من ارتفاع الأسعار أو انخفاضها عند إعلان الخبر. في علم التمويل درست كثيرا من الأحداث على سعر السهم, وهناك كثير من النظريات حتى وصلت بعض الدراسات إلى محاولة فهم سلوك الأسعار في أيام معينة من الأسبوع والشهر بل حتى السنة.

لكن الواقع العلمي مختلف إلى حد كبير, خاصة في الأسواق غير المنظمة التي تضعف فيها سياسات الإفصاح الجيدة وتتعرض لتسريب الأخبار بشكل كبير, الأمر الذي يعرض الأسواق لموجات متتابعة من الشائعات. في هذه البيئة فإن العلاقات الاقتصادية الصحيحة بين سعر السهم وأداء الشركة تضعف إلى حد كبير، ويظهر الأثر الخطير للمضاربات التي تعتمد على الشائعات حيث يمكن للمضارب تحقيق أرباح غير عادية لا يمكن تحقيقها في العادة, خاصة في الأسواق الناضجة التي تكافح جرائم تسريب المعلومات. الدراسات تشير- وكذلك الواقع – إلى تأثير المعلومات الاقتصادية التي تتعرض لها الشركة والتي تنعكس في قوائمها المالية في سعر السهم، فسعر السهم هو الذي يعكس المعلومات وليس العكس، أي أن الشركة وقوائمها المالية لا تتأثر بما يحدث لسعر السهم سواء انخفض أو ارتفع, فانهيار الأسواق المالية وانخفاض الأسعار إلى حدود قصوى لا يعني انهيار الشركة, بل إن الشركة قد تكون في وضع جيد, وهو ما كان يحدث لشركة سابك عندما انهارت السوق المالية السعودية عام 2006م، حيث استمرت الشركة في الأداء الجيد وارتفعت الأرباح إلى مستويات قياسية بينما كان السهم ينهار حتى فقد ما يقرب من 90 في المائة من قيمته قبل الانهيار. ومع ذلك فإن الشركة قد تتعرض للخسارة بسبب انخفاض أسهمها فيما لو قامت باستدعاء الأسهم والاحتفاظ بها لفترة ثم إعادة بيعها وهو ما يسمى طريقة أسهم الخزانة, وهو الأمر الذي لم يزل محظورا لدينا في المملكة.

ومع ذلك فإن القول بعدم تضرر الشركة من العرض الكبير على أسمهما أمر يصعب الجزم به, خاصة إذا كان لدى الشركة طرح جديد لرغبتها في جمع أموال لتمويل توسعات أو زيادة رأسمال الشركة لسبب أو لآخر. وجود مثل هذه العروض القوية على السهم يجعل عملية بيع الطرح الجديد عملية صعبة وخطرة. لكن ـ مرة أخرى ـ هذا يحدث في الأسواق الناضجة فقط.

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك