|

البطالة المكعبة

Share |

موقع أموالي, فهد عامر الاحمديكتبه: فهد عامر الأحمدي

البطالة أنواع ومذاهب ودوافع مختلفة.. فهناك بطالة اختيارية، وبطالة قهرية، وبطالة معرفية، وبطالة مقنعة، وبطالة استثنائية (يعني استثناءك من التعيين بسبب الواسطة أو تفضيل ابن القبيلة)…

وحين يُبتلى المرء بسببين أو أكثر يصبح مصابا بما يعرف بالبطالة المركبة أو المكعبة.. وكلما زادت أسباب البطالة تفاقمت الحالة وصعب علاجها فعلا خصوصا حين تتضمن جانبا اختياريا – !!

فقبل أيام مثلا زرت قريبا عاطلا عن العمل بمزاجه (يمكن تصنيفه بعاطل أُس ستة) استأذنته بنشر هذا المقال مقابل ثلاثمائة ريال؛ ورغم أنه عزوبي وساكن فوق السطوح إلا أنه كان يتمتع بكل وسائل الراحة الحديثة.. ففي الغرفة التي جلسنا فيها رأيت مكيف سبليت ودشا دوليا وبساطا بلجيكيا وسستم يابانيا وجوالا ألمانيا لم يكف عن الرنين ناهيك عن السيارة التي تقف بالخارج.. ورغم أنه اشتكى من قلة الفرص وضيق الحال؛ إلا أن معرفتي بكسله وبلادته ويسر والدته منعوني من التعاطف معه فقررت صعقه بعدة صدمات على نمط صدمات الطوارئ الكهربائية لعله يعود للحياة!!

“الصدمة الأولى” تضمنت تذكيره بأننا أبناء هذا العصر نتمتع بكماليات لم تتوفر لهارون الرشيد أو جنكيز خان أو حتى لويس الرابع عشر.. فهولاء الملوك رغم ثرائهم وسعة ملكهم لم يحظوا بمتعة الحصول على الجوال والمكيف والسيارة والدش والكهرباء… مثل سيادتك!

“صعق” في البداية ولكنه انتكس بسرعة وقال: يا أخي الزمن تغير ثم لاتنس أنني “عزوبي” وهؤلاء كانوا يملكون مئات الجواري.. تنحنحت وقلت: بالنسبة للجواري معك حق؛ أما عن “تغير الزمن” فصدقني مازلت ثرياً حتى بمعايير اليوم ؛ فعدد سكان الأرض تجاوز اليوم الستة بلايين نسمة؛ ثلاثة منهم يكسبون أقل من دولارين في اليوم (لايصلون الى عُشر عشر مستواك) أما البليون الرابع فأشد فقرا ويعيشون على دولار واحد باليوم (70% منهم نساء مقهورات في الخيام)!!

وأثناء طرحي لهذه المعلومة تذكرت موقعا على الانترنت رأيته نافعا لإثبات هذه الحقيقة؛ وعلى الفور طلبت كمبيوتره الخاص (هل أخبرتكم أن لديه كمبيوترا محمولا!؟) ودخلنا على موقع يدعى جلوبال ريتشليست يمكن من خلاله إدخال المبلغ الذي تكسبه سنويا ثم تطلب منه تحديد مستوى ثرائك مقارنة بسكان العالم. وبما أن والدته تعطيه 3000 ريال بالشهر أدخلنا هذا المبلغ فوجدنا أن هناك (5.199.120.310) أشخاص أفقر منه في هذا العالم!!

عندها (صعقت أنا) وسألته: عفوا كم دخل الوالدة!؟

قال: 15 ألف ريال من المشغل و12 ألف ريال من ….. قلت يكفي يكفي فأدخلنا الرقم الأول فقط فاتضح أن هناك (5.945.324.435) شخصا أفقر منهما في العالم!!

هذه المرة صعق لفترة أطول ولكنه عاد وقال: ولكن الأحوال نسبية وأنت أخبرتني ذات يوم أن من يكسب 1000 دولار يعد في أمريكا “فقيرا” ولكنه يصبح “ثريا” في مائة بلد آخر.. صَمت، وقلت في سري: “والله لقد أوحيت لي بموضوع الصدمة الرابعة” فأجبته : حسنا هناك طريقة رابعة يمكن أن تُشعرك بالثراء بأي مبلغ تافه.. لمَ لا تهاجر مثلا إلى أي بلد في العالم “عملته طايحة” فتعيش كالاثرياء بالدخل الذي لديك الآن؛ إذ تستطيع مثلا الهجرة الى اوكرانيا حيث المليون كاربوفانيت (العملة المحلية) تساوي 21 ريالا فقط، أو الى الكونجو حيث تحصل على مليون جونج ب75 ريالا ، أو الى غينيا بيساو حيث تحصل على مليون بيسو مقابل 206 ريالات، أو حتى الى تنزانيا حيث يساوي الريال حزمة أوراق نقدية يعجز عن حملها عصبة من الرجال!!

صعق للمرة الرابعة وصمت طويلا.. لكنه عاد وقال: يا أخي أنت تعرف الوالدة “ماراح تعطيني” ثمن التذكرة الى أوكرانيا أو تنزانيا بيساو (يقصد غينيا بيساو) !!

عند هذا الحد انفجرت أنا وقلت :

“شوف عاد”.. لا أنت راض بعيشة أفضل من هارون الرشيد وملوك فرنسا.. ولا أنت راض بمصروف يجعلك أغنى من معظم سكان العالم.. ولا حتى عندك الجرأة للسفر ومغادرة هذه الغرفة أصلا.. ثم تقول أنا عاطل عن العمل.. البطالة ياعزيزي كثيرا ما تكون حالة ذهنية وإدماناً يقدمه الأهل والمجتمع بحسن نية وقلب كبير!!

*صحيفة الرياض

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك