|

التدريب .. دجل ودجالون

Share |

موقع أموالي, د. محمد آل عباسكتبه: د. محمد آل عباس
هل أصبح التدريب سوقا لمن لا سوق له، ومهنة لمن ليس له مهنة؟ أستغرب حال العاطلين الباحثين عن وظيفة لماذا لم يصبحوا مدربين؟ درب واتجه إلى التدريب فقد ضاعت المفاهيم في سوق لا حصر لها من مؤسسات ومراكز تدريبية ومدربين يدربون الآلاف ويَدّعونَ القدرة على تحويلك من ”محمد” إلى ”محمود” يمشي على النار لأنك – كما يقول المثل ”بقدرة قادر” – إن مشيت فوق تلك النار ستستطيع حل مشكلاتك – ستتوظف في الوزارة أو تصبح المدير, وإذا كنت مديرا ستصبح الوزير، أما إن كنت طالبا فستنجح بلا اختبارات وتغير محتوى المواد والأستاذ والمحاضر, بل حتى مدير الجامعة، دجل باسم التدريب.

درب واتجه إلى التدريب وافتح مركزا تدريبيا, ذلك أن الحصول على شهادة مدرب أمر سهل جدا, والسوق لمن يدفع. مراكز التدريب تدق ”طبول الهبل” فوق رؤوسنا باسم الحصول على شهادة مدرب ـ مع خبرة سنتين ـ على يد المدرب العالمي الذي درب الملايين في مئات الدول حول قارات العالم حتى تظن أن الكرة الأرضية أصبحت كرة المدربين. حتى كأن طفلا – مع الاعتذار للشاعر بدر شاكر – بات يهذي قبل أن ينام بأن أمه التي آفاق قبل عام… ”قد أصبحت مدربة” فقرر ذلك الطفل أن يصبح ”مدربا عالميا”، دجل باسم التدريب.

درب واتجه للتدريب فكل ما تحتاج إليه مسرح واسع يضم الآلاف من المشاهدين ـ القادرين على الدفع – وأضواء وتمثيلية مسرحية ومجموعة كومبارس. وإذا لم يتوافر لك هذا فيكفيك دورة تدريبية ـ ولا يهمك معنى كلمة ”دورة” هنا فلن يسألك أحد. ربما تحتاج إلى طاولات, وليس من الضروري أن تكون دائرية أو مربعة, وإذا لزم الأمر فلا داعي لها أيضا المهم أن تجيد العمل على برنامح العرض ”بوربوينت” وتجيد التقديم المبهر. حاول أن تجذب انتباه الحضور بقصص من هنا وهناك, ولعلك تستعين بكتاب ”دع القلق وابدأ الحياة”، اجعل من تدربهم يقفون على أقدامهم أو أيديهم إن استطعت ويدورون حول أنفسهم يبحثون عن بعضهم معصوبي الأعين، كن مبهرا ولو كنت غير مفيد. لا يهم إذا كنت ستمنح شهادة غير معتمدة وغير مفيدة, المهم أن تجمع المال. دجل باسم التدريب.

درب واتجه إلى التدريب, ولا يهم إذا كنت لا تعرف معنى كلمة التدريب أو لم تكن متخصصا في شيء, المهم أن يكون لديك مركز تدريبي يروج لدجلك. ركز على دورات النجاح وتطوير الذات والتفوق في سبعة أيام, خاصة في فترة الامتحانات النهائية. أطلق مارد الخيال والأحلام الوردية والإنجاز بلا عمل. درب على الخرافة وسمها ما شئت. لا تدربهم على النجاح بل على الحلم بالنجاح. لا تقل لهم اعملوا وادرسوا واصبروا وصابروا بل قل لهم ”رددوا كلمة – نجحنا” واكتبوها في ورقة مع عبارة ”إنهم أصبحوا من عباقرة العالم” ويضعونها أمام أعينهم ليقرأوها مرة في الصباح وأخرى في المساء. لا تهتم بعدها إن رسب الطالب في امتحانه أو فُصِلَ الموظف من وظيفته المهم أنك غيرت طريقة تفكيرهم. درب النساء والأطفال ولو من وراء بروج وامنح الأم شهادة أنها أفضل مربية لأبنائها, ولا تهتم إذا كانت في حاجة إلى هذه الشهادة أم لا، المهم أنها دفعت قيمتها. دجل باسم التدريب.

لقد أصبح التدريب سيلا كله غثاء, وواديا من إبل لا تكاد تجد فيها راحلة. جرأة على التخصصات والخبرات وترويج للخرافة والإهمال وبيع للشهادات حتى أصبحت الماجستير والدكتوراه مجرد دورة تدريبية في ثلاثة أسابيع ومبلغ 100 ألف ريال. التدريب علم واسألوا الذين شابت رؤوسهم في تخصص الموارد البشرية. التدريب فن نقل الخبرات, لذلك يحتاج المدرب إلى أن يكون خبيرا في المقام الأول، أن يكون قد انحنى ظهره في فهم تخصصه وليس مجرد قارئ هاو له. كيف يدرب في المحاسبة والرقابة وقراءة وتحليل القوائم المالية من ليس محاسبا أو مراجعا وانحنى ظهره في هذا العلم؟ كيف يدرب على الإدارة من لم يكن متخصصا ولم يعمل مديرا قط؟ كيف نسأل في الطب النفسي وتطوير الذات من كان تخصصه شريعة وقانون وقد أمضى فيها زهرة شبابه؟ كيف نسأل ويخبرنا عن سوق الأسهم من تعلمها في مجرد دورة تدريبية وكتاب تم طبخه في ذروة السوق ونشاطها؟ كيف يدربنا في الاستثمار من لم يستثمر في عمره مرة ولم يكن رجلا للأعمال قط؟ كيف يدرب من كان عمره 30 عاما أو 25 فضلا عمن كان دون ذلك ولم ينحن ظهره في تخصصه ويستوعب فلسفته ومفاهيمه ويجمع من التجارب والخبرات ما يشيب له رأس الوليد؟

التدريس ليس تدريبا ولا ليس كل مدرس مدربا ولو أمضى في تدريسه عمرا. وليس التدريب مجرد مهارات يتقنها المُدرِب بل يجب عليه ”أولا” أن يكون خبيرا مُجرِبا في تخصصه. التدريب ليس حلقة وصل بين الجامعة والوظيفة يُستغفل فيها العاطل وتسرق أمواله، بل مشروع للتطوير في العمل أو منته بالتوظيف في مجاله.

لن ينجح من لم يَدْرُس وينحني ليلا على كتبه ولو تدرب شهرا على فهم معنى كلمة النجاح. لن يخترع من لم يعمل ألف تجربة فاشلة ولو كتب ألف عبارة عن العبقرية وعلقها في غرفته. لن يترك التدخين من لم يكابد الصبر على تركه وغسل ”النيكوتين” من دمه ولو مشى على نار الوهم أو تم قطع حبل أفكاره الزمني. لم أكن لأكتب مقالي هذا – بعد فضل الله ومنته – لو لم يعمل ”أديسون” 50 ألف تجربة فاشلة عن الكهرباء. كيف ضاعت بوصلة التدريب إلى هذا الحد ومن المسؤول – مع الاعتذار للقراء – عن كل هذا العفن؟ سؤال أطرحه للجميع ولعلي أجمع الإجابات وأعرضها في مقال خاص.

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك