|

مشروع للتقبيل!

Share |

كتبه: د. صالح سليمان الرشيد
قابلت زميلا لي «تحفة» يعجبني فيه ذكاؤه وخفة دمه, سألته «وشلونك.. وما هي آخر أخبارك؟», قال لي: «الحمد الله أموري حلوة .. للتو بدأت في مشروع عقاري وربنا يسهل»، دعوت له بالتوفيق وودعته على أمل سماع أخبار نجاحاته وتألقه. افترقنا فترة ثم قابلته بعد عدة أشهر سألته بكل تلهف عن أخباره وأخبار مشروعه وإن كانت الأمور ماشية معاه بشكل جيد, قال لي: «والله أنا داخل في مشروع جديد ادع لي ربي يسهلها!»، قلت له: «وش القصة..!! أنت خلصت المشروع الأول عشان تدخل في الثاني؟!», قال لي: «لا والله ما خلصته لكن ما يضر طالما فيه إمكانية وش يمنع؟!», قلت له: «نعم هناك ما يمنع! عندما تلد زوجتك طفلاً هل تفكرون في قدوم طفل آخر وما زال الطفل الأول في مرحلة الرضاعة؟!», «لم أشأ أن أشبه الوضع بالبحث عن زوجة أخرى في بداية زواج جديد خوفا من أن ينال التشبيه إعجابه وموافقته وبالتالي تزول قوة المثل على الإقناع», وماذا يكون الوضع عندما تلد زوجتك طفلين أو ثلاثة في الوقت ذاته؟! وعندما يولد الطفل هل يجب أن تتولى أمه رضاعته ورعايته أم الأفضل أن يقوم آخر بتلك المهمة؟! المشروع مثل الإنسان تماماً يمر بدورة حياة, لكل مرحلة في هذه الدورة متطلباتها، ومرحلة الميلاد هي المرحلة الأكثر أهمية التي يحتاج فيها المولود إلى رعاية كاملة ومستمرة ليلاً ونهاراً، والتقصير في تقديم الرعاية المطلوبة في تلك المرحلة يعني التهديد المباشر لحياة المولود.

الحقيقة أن هناك حالة ملحوظة من التسرع تعتري كثيرا من الراغبين في دخول مجالات الأعمال والتجارة، هذه الحالة لا ترتبط بوجود فرص سانحة للاستثمار بقدر ما ترتبط بالرغبة في التقليد والاستعجال في تحقيق النجاح والثراء العاجل دون تخطيط أو تركيز، وأحيانا يكون الدافع أننا نتعامل مع المشروع الجديد على أنه دواء مسكن نلجأ إليه للهروب من إخفاقات المشروع القديم أو المصاعب والمشكلات التي نواجهها فيه. وأيا كان السبب, فهذا التسرع بالتأكيد علامة على عدم وجود خطة واضحة لمشروعنا الأساسي وعلى ضعف إيماننا بقيمة وجدوى وفرص نجاح هذا المشروع.

ليس صعباً أن تحصل على ترخيص لمشروع أو مؤسسة, فالأمر في الغالب يتطلب بعض الإجراءات الروتينية ومكانا لممارسة العمل وأشخاصا يمارسون العمل، لكن ليس من السهل على الإطلاق أن يستمر المشروع وينمو، الأمر يستلزم خططا وجهودا وقدرة على مواجهة مشكلات بداية العمل، الأمر يحتاج إلى تفرغ صاحب العمل لإدارة مشروعه وتقديم الدعم المطلوب في كل الأوقات. الدراسات تؤكد أن نسبة فشل المشاريع الجديدة تراوح بين 50 و70 في المائة، وهي نسبة مرتفعة ومخيفة وترتبط بعوامل خارج نطاق السيطرة وعوامل أخرى تتعلق بكفاءة الإدارة وقدرتها على تجاوز مخاطر البداية.

التركيز هو كلمة السر في تحقيق النجاح الشخصي والمهني، والتركيز صنع شركات ومؤسسات تخطت حدودها المحلية وأبهرت العالم، وضعف التركيز أطفأ سريعاً أنوار ملايين المشاريع والمؤسسات. احلم كما تشاء بامتلاك المشاريع والمؤسسات, فالحلم مشروع ورجال الأعمال البارزون في هذا العالم يملكون شركات ومؤسسات تعمل في مشاريع متعددة ومتنوعة في كثير من الأحيان لا يوجد أي رابط بينها، لكن البداية دائماً كانت مشروعا صغيرا أداره صاحبه بتركيز شديد، وكبر المشروع وتعاظمت الأرباح وزادت الخبرات وتنوعت العلاقات مع عملاء وموردين ومسؤولين، وأصبح الطريق مفتوحاً لتجربة عمل جديدة ونجاح جديد. المحزن والمثير للأسى أنك ترى كثيرا ممن يحمل مسرورا مفتاح مؤسسته الجديدة في يده اليمنى هو في الوقت ذاته تجده يحمل لافتة «للتقبيل» في يده اليسرى دون أن يدري.

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك