|

أين ذهبت الثقة بصناديق الاستثمار؟

Share |

كتبه: د.قصي بن عبدالمحسن الخنيزي
قد لا تكون العلاقة السببية أو التنبؤية بين السوق المالية والاقتصاد في الأسواق الناشئة واضحة على الرغم من إثبات كثير من الدراسات النظرية والتطبيقية, وجود علاقة إحصائية ملحوظة بين الأداء الاقتصادي الكلي وأداء السوق المالية بناء على عينات البحث المتضمنة أسواق واقتصادات في العالم المتقدم اقتصادياً كالولايات المتحدة وبريطانيا واليابان. إلا أن الدراسات الحديثة زمنياً بدأت بالتركيز على ارتباط الأسواق المالية للدول الناشئة اقتصادياً كالهند, الصين, روسيا, البرازيل, ودول الخليج, في السنوات الأربع الماضية, التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع الأولية والتوسع الإقراضي والاستهلاك العالمي المدفوع بزيادة الطلب من الدول المتقدمة كالولايات المتحدة وبعض دول اليورو, على سلع البلدان الناشئة, ما أدى إلى التناقض في نواح كثيرة مع المسلمات السابقة. هذه الدراسات وهذا التحليل الكمي المبني على افتراضات تستند إلى أن السوق المالية تعكس حال الاقتصاد الكلي بنموه ونشأته وتضاؤله وتراجعه قد لا تنطبق على بعض الأسواق الناشئة, حيث نجد أن النمو الاقتصادي الكلي يسير بوتيرة معينة بينما يكون أداء السوق المالية ذا وتيرة مختلفة.

حقيقة، لم يكن هنالك تماثل نسبي بين أداء السوق المالية السعودية ومؤشرات الاقتصاد الكلي في أعوام طفرة سوق الأسهم الأخيرة منذ عام 2003 حتى انهيار 2006, حين أخذت مختلف متغيرات الاقتصاد الكمية التي كانت تشير إلى فورة النمو الاقتصادي في المملكة, خصوصاً مع تضاعف أسعار النفط ووصولها إلى مستويات قياسية. ومن المنطقي نمو السوق المالية وارتفاعها بناء على المتغيرات الكلية الجذابة، إلا أن الارتفاع كان يجب أن يكون متناسباً مع نمو المتغيرات الكلية, لأن ما حدث كان عبارة عن ارتفاعات قياسية وتضخما في أسعار الأصول المالية لسوق المال وابتعادا عن الأساسيات المالية للشركات المدرجة. ارتفاع أسعار النفط في تلك الأعوام شيء إيجابي لعموم الاقتصاد السعودي, لكن عوائد النفط لا يتم توزيعها هكذا على الشركات المدرجة, بل تستفيد الشركات المدرجة تبعاً لدرجة ارتباطها بالقطاعات المتوقع أن تشهد نمواً استثنائياً بسبب ارتفاع العوائد النفطية.

وبتناول صناديق الاستثمار نلاحظ تراجعاً مستمراً في الأداء وفي إقبال المستثمرين كون نتائج الصناديق ضعيفة جداً مقارنة بأداء المؤشر العام، ما أدى إلى تراجع ثقة المستثمرين الأفراد وانسحابهم من الصناديق تدريجيا ليصل إجمالي عدد المشتركين إلى نحو 349 ألفا مقارنة بنحو 568 ألف مشترك في نهاية عام 2005، أي بانخفاض يبلغ نحو 40 في المائة من إجمالي عدد المشتركين في الصناديق الاستثمارية، في الوقت الذي تراجعت فيه الأصول المحلية لهذه الصناديق بنحو الثلث. تراجع الثقة بالصناديق الاستثمارية يعزى إلى أسباب مالية واقتصادية نظراً لتراجع قيم الأصول المستثمر فيها، وقد يعزى إلى تراجع ثقة المستثمرين الأفراد بالسوق المالية عموماً. تراجع الثقة بالصناديق الاستثمارية يعني أحد أمرين، إما تراجع الثقة بالأصول التي يستثمر فيها الصندوق, وإما تراجع الثقة بمدير الصندوق. ويعني تراجع الثقة بإدارة الصندوق تيقن المستثمر بعدم كفاءة فريق الاستثمار وعدم قدرته على تحقيق عوائد مستقبلية كما كان مؤملاً وقت الاستثمار, علماً أن مدير الصندوق قد يكون بنكاً استثمارياً أو شركة وساطة.

وبما أن صناديق الاستثمار تتكون من مشتركين ورأسمال للصندوق يدفعه المشتركون وإدارة للصندوق، فإن حرفية مديري الصناديق ومهنيتهم هما المحددان الرئيسان لمستوى الثقة بالصناديق. لذا من المهم عدم وجود أي تضارب للمصالح لدى مديري الصناديق عند إدلاء التصريحات المتعلقة ببعض القطاعات دون الإفصاح عن إدارتهم صناديق تنشط في تلك القطاعات. ولعلنا نذكر قيام أحد البنوك الاستثمارية في عام 2005 باللعب على تضليل المستثمرين بتقارير عن قطاع البتروكيماويات, بينما كان له صندوق نشط في القطاع ذاته, وكذلك الحال لدى بنك استثماري آخر في العام نفسه حين كان يعطي آمالاً عبر تحليلات تلفزيونية ومكتوبة عن قطاع الأسمنت على الرغم من بلوغ معظم المكررات مستويات غير منطقية، وكلهم تعود تحليلاتهم العتيدة إلى ”ارتفاع أسعار النفط”.

وأخيراً، لإعادة الثقة إلى الصناديق الاستثمارية، من المهم أن تعود الثقة بالسوق المالية السعودية وبإدارة الصناديق الاستثمارية. وقد يتم رفع الثقة بإدارة الصناديق الاستثمارية من خلال المتابعة الدقيقة والرقابة من قبل هيئة سوق المال على التزام المديرين بمتطلبات الالتزام واتباع القواعد الأخلاقية بكل مهنية واحتراف.

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك