|

من ينصف المستأجر والمشتري من إضرار المؤجر والدلال؟

Share |

موقع أموالي, د.يوسف بن أحمد القاسمكتبه: د.يوسف بن أحمد القاسم

تجار العقار- ومنهم أصحاب المؤسسات العقارية – ينصفون أنفسهم من خلال الغرف التجارية التي وضعت لخدمة أمثالهم من التجار, ولهذا يشتغل عدد من التجار منذ مدة على معالجة أوضاع المكاتب العقارية العشوائية وغير المرخصة, من خلال فرض أنظمة ورقابة صارمة, إذن التجار لا خوف عليهم, فهم سيتعقبون المخالفين بالأنظمة, كما تعقبوا أنظمة أخرى.

لكن من ينصف الضعفاء, كالمشتري الذي يتلقاه بعض الوسطاء – المرخصين أو غيرهم- فيمارسون ضدهم تجاوزات شرعية ونظامية؟ ومن ينصف المستأجر الذي لا يضع عصاه عن عاتقه لارتحاله مرة بعد أخرى من منزل إلى آخر بسبب فرض سعر جديد مع جديد كل سنة, حتى أضحت نهاية السنة شبحاً يلاحق المستأجر قائما ونائما وعلى جنب؟!

لذا, لن أخوض في هذا المقال فيما يقع فيه الباعة والمشترون للعقار من أخطاء متعمدة, كإخبار البائع للوسيط العقاري «الدلال» «بسوم» مفتعل, أو من خلال سعر عقارات البائع المنتشرة في عرض الحي وطوله, فيعتبرها بمثابة المعيار لسعر المثل! أو من خلال عرض البائع العقار في المكاتب العقارية للبيع وهو لا ينوي البيع أصلا, فيشغل الوسيط العقاري والمشترين بعروض وهمية, ونحو ذلك من التلاعب غير المشروع, لن أخوض في هذا كله, وإنما سأركز الحديث في هذا المقال على ما يتورط فيه كثير من الوسطاء من ممارسات محرمة, تحوِّل الاستثمار من دخل حلال إلى دخل حرام وسحت عياذا بالله, إضافة إلى ما يتعرض له المستأجر من إضرار الطرد من البيت- تحديدا ــ على يد المؤجر أو الوسيط.

وهذه الممارسات, منها ما نشاهدها رأي عين, ومنها ما نسمعها من بعض ممارسي المهنة, أو من أحد أطراف المعاملة العقارية, حيث يروون بعض ما يقع عليهم أو على غيرهم من تجاوزات, ومن ذلك:

اختراع صاحب المكتب العقاري لـ «سوم» يمليه هواه, لا لـ سوم» يطرحه المشتري, وذلك إما لغرض تسويق العقار بأسرع وقت ممكن, وإما لغرض الوصول إلى أرفع سعر ممكن؛ لأن أجرة الوساطة, أو ما تسمى عرفاً «أجرة السعي» ترتفع طرداً بارتفاع سعر البيع, وبالتالي ينعكس السعر على أجرته المقدرة نظاماً وعرفاً بـ 2.5 في المائة, وهذه الممارسة محرمة شرعا, وهي داخلة في عموم النهي عن النجش, ففي الصحيحين عنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ من حديث أبي هريرة أنه قال: «لا تحاسدوا, ولا تناجشوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا» والنجش: هو أن يضع سعراً غير حقيقي للسلعة لمنفعته أو لمنفعة الغير, وهذا التعريف أدق من القول إنه الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها, والنجش كما هو محرم, فهو بوابة إلى التباغض والتدابر, وهو مدخل للمال الحرام. ولا يلزم في النجش أن يكون بتواطؤ بين الناجش- وهو هنا الوسيط – والبائع, فيمكن أن يكون النجش دون تواطؤ كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم.

إخفاء السعي في مبلغ البيع, باحتسابه ضمن الصفقة, سواء باتفاق بين البائع والوسيط, أو بغير اتفاق, وهذا فيه تغرير بالمشتري الذي دفع المال على أساس أن المال المدفوع هو قيمة العقار, وفي الواقع أنه قيمة العقار وأجرة السعي, إضافة إلى الأجرة التي يحصلها الوسيط من المشتري! وهذا كما أن فيه تغريراً بالمشتري, فإنه مخالف للمادة الخامسة من لائحة تنظيم المكاتب العقارية, ونصها: «تحدد عمولة البيع بالاتفاق بين صاحب مكتب العقار والبائع والمشتري، كما يحدد الطرف أو الأطراف التي تتحمل تلك العمولة. وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يتجاوز مجموع العمولة عن 2.5 من قيمة العقد» وبإدخال الوسيط أجرة السعي ضمن قيمة الصفقة يكون مخالفاً لهذه المادة؛ لأنه عادة يمارس هذا الأسلوب لغرض الظفر بقدر أكبر من العمولة المستحقة نظاما, فمثلاً يعرض عقاراً يطلب فيه البائع مبلغ 1.5 مليون ريال, يعرضه الوسيط بمبلغ 1.6 مليون ريال وبرضوخ من البائع لعرض الوسيط الذي وعده بمشتر يدفع له المبلغ المطلوب, ليظفر الوسيط بمبلغ 100 ألف ريال, إضافة إلى السعي المستحق له نظاماً وهو 2.5 في المائة, يعني 40 ألف ريال, فيكون مجموع السعي 140 ألف ريال! وتلك الزيادة على ظهر المشتري .. أليس كذلك؟ إذن هل يصح أن يقال: إن الزيادة اقتطعها البائع من نصيبه في صفقة البيع؟ بالطبع لا, إلا على رأي المستفيد, وهو البائع والوسيط ومن لف لفهما!

‌إخفاء الوسيط عن البائع رغبته في شراء العقار, فيظهر للبائع أن المشتري طرف آخر في الصفقة, وفي الواقع هو المشتري, وإخفاء هذه الرغبة يمكن الوسيط من رقبة البائع, ويسهل له الصفقة بما يحقق رغبته على حساب رغبة المالك!

إخفاء الوسيط أوضاع العقار وما يتعلق به من حقائق على وجه الأرض, سواء بالنسبة لحال العقار وموقعه, أو بنائه.. إلخ, أو إخفاؤه بما يتعلق بالأسعار, فيوهم البائع بما يحمله على البيع, ويوهم المشتري بما يحمله على الشراء, وربما يتلاعب على الحبلين, وقد يضفي جواً طارداً لعملية البيع مع سماحة البائع بالسعر الذي حدده المشتري, كما يفعله بعض الوسطاء, من أجل الظفر بسعي أكثر, وبالتالي تحولت المعاملة من كونها وساطة نزيهة, إلى كونها متاجرة على ظهور الآخرين وهم لا يشعرون! والمضحك أن بعض أصحاب المكاتب العقارية لا يسمح للمستأجر أن يضع عقداً لمدة خمس أو عشر سنوات بأجرة محددة – والمؤجر لا يدري عن رغبة المستأجر- فيفرض على المستأجر عقداً يجدده كل سنة, وذلك من أجل أن يضمن حصة السعي, وليحصل على الحصة التي يحددها, وهنا تختلف المكاتب العقارية في تحديد أجرة السعي, فيأخذ بعضهم كل سنة 500 ريال نظير التجديد, وبعضهم ألف ريال, مع أن هذه العمولة تزيد في كثير من الأحيان على ما نصت عليه اللائحة في مادتها الخامسة, وهي:»يحدد عقد الإيجار عمولة المكتب العقاري والطرف الذي يتحملها، ولا يجوز أن تزيد تلك العمولة عن 2.5 من إيجار سنة، حتى لو كان العقد لمدة أطول، أو حتى لو جاز تجدده لمدة أخرى» فإذا كان الإيجار مثلاً 15 ألف ريال فإنه لا يستحق عمولة تزيد على 375 ريالا بنص اللائحة المذكورة آنفا.

والسؤال المطروح الآن:

أين الجهات الرقابية على المكاتب المخالفة لنص اللائحة؟

وهل العقوبات المنصوص عليها في اللائحة من أجل تسجيل موقف فقط؟

وكيف نحمي المستأجر الذي يطرد من منزل إلى آخر دون مبرر- مع كونه يدفع ثمن المثل- لمجرد تحقيق أرباح إضافية؟ ورأيي هنا, أنه لا بد من وضع نظام يحمي المستأجر من مقصلة المؤجر والوسيط, بحيث لا يسمح له بإخراجه من المنزل إلا في الحدود المقبولة شرعا ونظاما, ولا يخفى ما يتحمله المستأجر من تكاليف باهظة عند انتقاله من منزل إلى آخر, وعلى أصحاب المكاتب العقارية المخالفين أن يتذكروا قول الله تعالى: «يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون», وليستحضروا التعهد الذي كتبوه بأيديهم عند مزاولة المهنة, وإذا غابت عين الرقيب, فإن عين الله لا تغيب, والله سبحانه «لا تأخذه سنة ولا نوم», وهذا كله لا يعني أن بلادنا خالية من أصحاب الذمم – معاذ الله – بل في أصحاب المكاتب والمؤسسات العقارية من لديهم ذمم تضرب بها الأمثال.

* صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك