|

ما زال السكن يشكل المصدر الرئيس للتضخم

Share |

موقع أموالي, سعود بن هاشم جليدانكتبه: سعود بن هاشم جليدان

يعبر عن التضخم في المملكة من خلال قياس التغيرات السنوية للرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة. ويقيس الرقم القياسي لتكاليف المعيشة تغيرات أسعار التجزئة لأكثر من 400 سلعة وخدمة في 16 مدينة في المملكة. وشهد عام 2008 ارتفاعا حاداً لمعدلات التضخم في المملكة مشارفا على 10 في المائة في أقوى مستوى له منذ السبعينيات. وتراجع معدل ارتفاع الرقم القياسي العام لتكاليف المعيشة السنوي (معدل التضخم) عام 2009 إلى 5.1 في المائة مقارنةًً بمتوسط 2008. وكان لنشوب الأزمة المالية العالمية في نهاية عام 2008 الأثر الكبير في الحد من جماح موجة التضخم التي كانت تتصاعد في عدد كبير من دول العالم, خصوصاً في الدول الصاعدة، التي تعد المملكة إحداها. وحدت الأزمة المالية العالمية من نمو الطلب على السلع والخدمات على مستوى العالم, ما أدى إلى تراجع أسعار عدد كبير من السلع الأولية وقلص الطلب على السلع والخدمات في الدول الصناعية الكبرى وقاد إلى تراجع في تأثير التضخم المستورد من الدول الرئيسة المصدرة للسلع والخدمات في مستوى العالم.

وأدى نشوب الأزمة المالية العالمية أيضاً إلى إضعاف معدلات صرف اليورو بسبب المصاعب المالية التي عصفت بعدد من دوله، وعجز منظومة اليورو على الالتزام بالمعايير التي وضعتها لنفسها، وبطئها في تبني إجراءات إنقاذ أعضائها المعرضين للإفلاس، وقصور تلك الإجراءات في التصدي الفعلي لمخاطر إفلاس بعض دول المنظومة. ونتج عن ضعف اليورو ارتفاع معدلات صرف الريال مقارنةً باليورو وبكل العملات المقيمة أو المرتبطة باليورو. وخفض ارتفاع معدلات صرف الريال من تكاليف الواردات (ولو نظرياً) من الدول التي تستخدم اليورو أو تقيم عملاتها على أساس اليورو أو على الأقل حد من ارتفاع أسعارها. وأدى ارتفاع معدلات صرف الريال المرتبط بالدولار الأمريكي، وتراجع معدلات التضخم في الدول الرئيسة المصدرة للمملكة إلى الحد من التضخم المستورد ونتج عنه تراجع معدلات التضخم في نهاية عام 2008 وعام 2009 وبداية عام 2010م. ومن المتوقع أن تستمر التأثيرات الخارجية نفسها في التضخم في المملكة لما تبقى من عام 2010.

وعلى الرغم من تلاشي تأثير التضخم المستورد عن التأثير في الأسعار المحلية داخل المملكة، استمر تأثير العوامل المحلية في الأسعار. وسجل معدل التضخم السنوي الإجمالي للأشهر الأربعة الأولى من عام 2010م ارتفاعا مقداره 4.6 في المائة مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2009م. وأتى معظم التضخم في هذه الفترة من العوامل المحلية، حيث كان لارتفاع مجموعة السكن, خصوصاً الإيجارات, الأثر البارز في التسبب بارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة. فقد ارتفع الرقم القياسي لتكاليف مجموعة السكن بنسبة 10.5 في المائة في الثلث الأول من عام 2010 مقارنةً بمستواه في الفترة نفسها من عام 2009. ومع أن معدل ارتفاع تكاليف مجموعة السكن تراجع من مستوياته السنوية المسجلة عام 2009م البالغ 14.2 في المائة، إلا أنه ما زال يمثل أكبر مصدر للتضخم في المملكة، حيث أتى نحو نصف التضخم المسجل في الثلث الأول من عام 2010 مباشرةً من ارتفاع تكاليف السكن، كما يؤثر تغير مجموعة السكن بصورة غير مباشرة في التضخم من خلال تسببه في رفع تكاليف المجموعات الأخرى المكونة للرقم القياسي لتكاليف المعيشة مثل الأغذية والملابس والأثاث. وتتكون مجموعة السكن بشكل رئيس من الإيجارات وبعض الخدمات المرتبطة بالمساكن كالخدمات العامة وخدمات إصلاح المساكن.

ومن المتوقع أن يستمر ارتفاع تكاليف السكن خلال الفترة المقبلة، حيث يوفر اتجاه المتوسطات المتحركة للتغيرات في الرقم القياسي لتكاليف هذه المجموعة مؤشراً على تحرك تكاليفها مستقبلاً. وبلغ المتوسط المتحرك (12 شهراً) للتغير في الرقم القياسي لتكاليف السكن أعلى مستوياتها في نيسان (أبريل) من عام 2009م عندما وصل إلى نحو 1.5 في المائة في الشهر، وهذه النسبة الشهرية تعني أن المعدل السنوي يصل إلى أكثر من 18 في المائة في العام. وتراجع المتوسط المتحرك لارتفاع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في نهاية عام 2009، لكنه بدأ يتصاعد منذ بداية عام 2010م. وبلغ المتوسط المتحرك للزيادة في الرقم القياسي لتكاليف السكن لـ 12 شهراً نحو 1 في المائة في نيسان (أبريل) من عام 2010م أو أكثر من 12 في المائة في العام. وهذا الارتفاع يشير إلى عودة معدلات ارتفاع تكاليف السكن للارتفاع من جديد، ما يمثل مصدراً مقلقاً من مصادر التضخم.

ويبدو أن فاعلية السياسات المتخذة حتى الآن للتعامل مع معضلة السكن ما زالت قاصرة عن الحد من ارتفاع تكاليفه. ولهذا فإن هناك حاجة متزايدة إلى بذل جهود أكبر، وتوجيه مزيد من الموارد، وتبني سياسات أقوى لكبح جماح ارتفاع تكاليف السكن التي تؤدي إلى إساءة توزيع الدخول بين الشرائح السكانية المختلفة، وخفض مستويات معيشة الفئات السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل. وما لم تتم السيطرة على النمو القوي في تكاليفه فإن مخاطر ارتفاع معدلات التضخم تتصاعد مع مرور الوقت. من ناحيةٍ أخرى يلاحظ ارتفاع كبير في تكاليف توفير المساكن في الفترة الأخيرة, خصوصاً في أسعار قطع الأراضي. وسيؤدي الارتفاع الأخير في تكاليف العقارات إلى رفع الإيجارات مستقبلاً, حيث يقود في العادة ارتفاع تكاليف العقارات إلى ارتفاع الإيجارات. وما لم تتم السيطرة على تكاليف توفير المساكن, خصوصاً أسعار الأراضي, فإن هناك إمكانية قوية لتصاعد تكاليف السكن الذي سيتسبب في مزيد من التضخم ويرفع معدلاته مستقبلاً.

* صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك