|

تأمين المركبات والإيجار المنتهي بـ «التشكيك»!

Share |

كتبه: د. فهد بن حمود العنزي

لا أحد يرضى أبداً بالخسارة والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول (لا ضرر ولا ضرار). وجبر الضرر هو من أهم القواعد التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، كما أن مصادر الضرر كثيرة، ومنها ما يكون نتيجة لبعض العقود التي يساء فهمها أو تفسيرها أو ينفرد في إملائها طرف قوي على طرف ضعيف.

ومن العقود التي ما زالت مثار استفهام ما يعرف بعقد الإيجار المنتهي بالتمليك، وقد كثر اللجوء إلى هذا النوع من العقود بسبب أنه يتيح الفرصة للمستأجر لتملك العين المؤجرة إذا ما وفَّى بشروط العقد، كما أنه يعطي في الوقت نفسه المالك أو المؤجر الأمان من فقدان حق الملكية على العين المؤجرة إلى أن يفي المستأجر بما التزم به.

وبالرغم من الميزات التي يختص بها هذا العقد، إلا أن تجربة الإيجار المنتهي بالتمليك في المملكة لم تحظَ بالدارسة والتقييم أو التنظيم، بل إن هذه التجربة تُركت لاجتهادات القطاعات والمؤسسات التي تمارس عمليات الإيجار المنتهي بالتمليك، حيث يتم حبك هذه العقود بما يخدم مصالحها في المقام الأول.

وبالنظر إلى أهمية الإيجار المنتهي بالتمليك، فإنه بحاجة إلى ضبط وتنظيم، ولا ينبغي الاكتفاء بما يقرره المتعاقدان في العقد، كما أن المركز القانوني والاقتصادي للمتعاقدين ليس متساوياً، فصاحب العين المؤجرة يستغل حاجة المستأجر للشيء الذي يريد تأجيره فيُملي على هذا الطرف الضعيف شروطه المجحفة.

وفي المقابل، فإن هذا العقد يُضعف كثيراً من احتمالات تملك المستأجر العين المؤجرة، فيكون الطرف الأضعف في العقد، وهو المستأجر قد دفع أكثر مما يرجوه من منافع الشيء محل العقد كعقد إيجار، نظراً للمبالغة بقيمة القسط التي تفوق بشكل ملحوظ قيمة الإيجار الفعلية، هذا إضافة إلى أن المستأجر لا يتمتع في حقيقة الأمر بميزات المالك للشيء، فهو لا يستطيع التصرف فيه كما يتصرف المالك في مُلكه.

وإذا حصرت حديثي في إيجار المركبات المنتهي بالتمليك، فإن المسألة تكون أكثر فداحة، وذلك بسبب الحوادث التي تحصل للمركبات، وكذلك ارتباط إيجار المركبات المنتهي بالتمليك بالتأمين. فمالك المركبة لا يقوم بتأجيرها تأجيراً منتهياً بالتمليك، إلا بعد أن يقوم بالتأمين عليها تأميناً شاملاً ثم يقوم باحتساب تكلفة أقساط التأمين ضمن القسط الذي يدفعه المستأجر، وإذا حصل حادث ـ لا سمح الله ـ وترتب عليه هلاك المركبة هلاكاً كلياً، فإن شركة التأمين تقوم بدفع مبلغ التعويض المتمثل في قيمة المركبة إلى المالك، الذي هو المؤجر، سواء أكان وكيل سيارات، أم بنكاً، أم فرداً، بينما لا يستفيد المستأجر من أي مبلغ يخص هذا التعويض، وذلك بالرغم من أن الخسارة طالت المستأجر، وفي الوقت نفسه فإنه هو من قام بدفع القسط لشركة التأمين، فلماذا تم حرمانه من تعويض خسارته؟ ولماذا لا نعوضه عن كل هذه الخسائر المتتالية؟! فهو قد فقد المركبة وخسر كذلك أقساطها ثم حرم في النهاية من مبلغ التعويض.

الإشكالية في نظام التأمين الشامل هي في حقيقة الأمر متعلقة بارتباط التعويض بالملكية، فمالك المركبة هو من يتم تعويضه نتيجة خسارته المركبة، لأنها ما زالت تحت ملكيته بموجب عقد الإيجار المنتهي بالتمليك، فهو في حقيقة الأمر يحصل بموجب هذا التعويض الذي تدفعه شركة التأمين على أكثر من حقه، لأنه شمل أيضاً حق المستأجر! فالخسارة مشتركة، بينما التعويض لا محل لأن يشارك المستأجر المؤجر فيه.

وهذا بالطبع ليس من قبيل العدل، ولذلك فمن المناسب إعادة النظر في وثيقة التأمين الشامل للمركبات التي يتم تأجيرها تأجيراً منتهياً بالتمليك، وأن يتم النظر إلى المستأجر باعتباره مستفيداً من التأمين فهو صاحب حق مؤكد في التعويض، وغير قابل للتشكيك فيه.

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك