|

هل صنعنا التضخم بعاداتنا؟

Share |

د. محمد آل عباسكتبه: د. محمد آل عباس

لم نزل نعاني التضخم رغم كل البشائر التي ظهرت في بداية هذا العام وتنبؤات السيطرة عليه، إلا أنه عاد وكشَّر عن أنيابه في نهاية الممر، وها هو صندوق النقد الدولي يعاود تحذيرنا منه. كثيرة هي المقالات التي كتبت عن هذه المشكلة الاقتصادية وحلولها، التي ألقت باللائمة على أجهزة الدولة ذات العلاقة بالاقتصاد وعدم قدرتها على مكافحة جشع التجار وفرض المنافسة والتصدي لمارد التضخم. كان آخر هذه المقالات الرائعة ما كتبه الدكتور مقبل الذكير هنا في ”الاقتصادية” في سلسلة عن واقعنا الاقتصادي، وأنصح من يدرس الاقتصاد أو يهتم به أن يقرأ تلك السلسلة. في المقابل نجد قلة من تلك المقالات أشارت إلى مشكلة أصيلة في مجتمعنا، وهي ثقافة الاستهلاك ووعيه اللازم. وللحقيقة فإن مشكلتَي التضخم والفقر تعودان في جزء منهما إلى سلوك المجتمع ونزعته الشرائية، وبشكل أكثر دقة يمكن القول إنها مشكلة عدم وضوح الرؤية في الفرق بين القيمة والسعر، بين الحاجة والكمية، مشكلة السلعة وبديلها. وهي القضية التي أثارها وزير التجارة السابق عندما أشار إلى ضرورة أن يعدل المجتمع سلوكه الاستهلاكي كجزء من حل المشكلة، ولعل الوزير لم يوضح كامل المعنى؛ لذلك التبس الأمر على الكثير من الإعلاميين الذين مارسوا حقهم في نقد تصريحات الوزير. لكن مشكلة سلوكنا الاستهلاكي وقراراتنا الشرائية عميقة فعلا وتحتاج إلى جهد كبير لحلها.

لتوضيح ذلك يجب أن نعي أن هناك فرقا بين القيمة والسعر، فبينما يجب أن يكون السعر مخزنا للقيمة ـــ نظريا ـــ فإن الأسعار قد ترتفع بينما لا تتغير القيمة، وقد ترتفع القيمة بينما تبقى الأسعار ثابتة. وهذا يثير ذلك السؤال التاريخي: لماذا يرتفع سعر بعض الأشياء التي نعتقد أنها بلا فائدة بينما تنخفض (بالمقارنة) أسعار سلع لا يمكن للبشر الاستغناء عنها؟.. تلك قضية شغلت الاقتصاديين قرونا عدة حتى جاء مفهوم القيمة الحدية. وهو مفهوم سهل رغم ما يجده الطلاب من صعوبة في فهمه، فهو يرتكز على الحاجة والندرة، فكلما زاد احتياجنا إلى الشيء زادت قيمة كل ”وحدة واحدة” منه؛ لذلك سميت ”بالحدية” وكلما تناقص احتياجنا منه وتوافر نقصت قيمة كل وحدة واحدة منه. فقيمة أي شيء بالنسبة لنا مرتبطة بالحاجة. لكن حاجتنا إلى السلع بأنواعها ليست حاجة إلى المادة الفيزيائية نفسها، بل للخدمة المخزونة فيها، فنحن لا نحتاج إلى السيارات كحديد، بل إلى الخدمات التي يوفرها ذلك الحديد المصنع على شكل سيارة. فالسيارات الفارهة في المناطق شديدة الوعرة لا قيمة لها؛ لأنها لا تقدم خدمات من حيث الأداء المطلوب، فقيمتها تتناقص بشكل حاد هناك بينما تلك السيارة في المدن الكبرى من العالم تقدر قيمتها بالملايين، فالقيمة مرتبطة بالخدمات التي تختزنها المادة وليس بالمادة نفسها. هنا مشكلة استهلاكية كبيرة لدينا فنحن نرتبط بالسلع وليس بالخدمات، فبينما يمكننا الحصول على الخدمات من سلع مختلفة ترى التمسك بسلع ارتفعت أسعارها بينما خدماتها ثابتة؛ وذلك لأمور غير اقتصادية كالعادات مثلا. ومع أهمية دور الدولة في معالجة الخلل الاقتصادي الذي يحدث بسبب التضخم وتفاوت الأسعار، إلا أن دور المجتمع وقدرته على التمييز بين السعر والقيمة أمر لا يمكن الاستغناء عنه أو تفويضه للغير. يجب أن تكون لدينا القدرة على تقدير قيمة الأشياء التي نشتريها وأن نحدد عدالة السعر ونبحث البدائل التي تقدم القيمة نفسها بسعر أفضل ونطالب بتوفير هذه البدائل. فقد تحتكر السلعة بينما تتوافر بدائلها وعلى المجتمع اتخاذ قراره، وقد تحتكر القيمة وليس السلعة، وهذا أخطر أنواع الاحتكار، بل سلب لقدرة المستهلكين على اتخاذ القرار، وهذا خطير، ويجب أن تتدخل مؤسسات الدولة للحماية. قد يقول قائل إن المجتمع قادر على التمييز واتخاذ قراراته، لكن مشاهداتي الخاصة وآراء بعض الكتاب في الصحف السعودية تشير إلى مشكلة حقيقية وفشل ـــ اجتماعي ـــ في تعديل الأسعار .. كيف؟

ذكر عدد من الكتاب ارتفاع أسعار الأغنام ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك فإن الأسعار مرشحة للارتفاع أكثر. المشكلة أننا نصر ـــ كمجتمع ـــ على أنواع معينة من الأغنام المحلية رغم مشكلات التسمين والشعير بينما نتخلى عن أغنام بديلة تأكل من خشاش الأرض وأسعارها في المتناول. قدرة المجتمع على معاقبة ارتفاع الأسعار من خلال صدمة الطلب ـــ أي قصور الطلب ـــ والتوجه إلى سلع بديلة متوافرة قدرة ضعيفة لدينا، بينما نطالب بتدخل حكومي لفرض الأسعار، فنحن بسبب عاداتنا ورغم التضخم والأسعار نبقي على مستويات الاستهلاك المحلية التي تعطي مؤشرا خاطئا بأننا قادرون على الدفع مهما ارتفع السعر. مثال آخر من مشاهداتي في كثير من المطاعم التي تقدم نوعا من الوجبات السريعة بسعر معقول، لكن إذا تمت إضافة المشروب وبعض المقبلات ارتفع السعر بشكل مضاعف في المحل نفسه واللحظة نفسها. القضية ليست في المطعم، بل في المجتمع، الذي يقبل هذا ويدفع مقابله. كيف يتضاعف سعر الوجبة لمجرد إضافة مشروب ومقبلات يمكن الحصول عليها من البقالة المجاورة للمطعم بسعر عادل؟ يجب ألا نقول مراقبة ووزارة، بل سلوك استهلاكي غريب؟ ولماذا نفشل في التقييم في زمن التضخم ونضحي بثروة لمجرد عدم رغبتنا في زيارة محال مجاورة؟ هذا مجرد أمثلة على مشكلات استهلاكية يمكن التغلب عليها ببساطة، ومع ذلك لا نلقي لها بالا. إن تقديرنا لثرواتنا وتوجيهها التوجيه الصحيح والتخلي طواعية عن بعض الاستهلاك الحالي لدعم قدرتنا الاستهلاكية في المستقبل أمر مهم جدا لا يمكن تفويضه للآخرين ويجب أن نقوم به نحن. ومثل هذا كثير يحتاج إلى تطوير في ثقافتنا الاستهلاكية، ومن ذلك مثلا استهلاكنا هامش الاقتراض الذي ”نملكه”. فقدرتنا على الاقتراض جزء من ثروتنا يجب عدم التخلي عنها لمجرد إعلانات عن بطاقات ومزايا وهامش فائدة يجب عدم التخلي عنه لاستعجال الاستهلاك والتمتع بالرفاهية. ولعلي أعود إلى مناقشة هذا الخلل في مقال قادم.

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك