|

هل سينهار العقار كما انهارت الأسهم؟

Share |

د. محمد آل عباسكتبه: د. محمد آل عباس

منذ فترة ليست بالقصيرة هناك تنبؤات بانهيار» كارثي» لأسعار العقار وتراجع مخيف مثل الذي حصل في سوق الأسهم. يزداد الحديث وتكثر الأسئلة كلما صدر قرار لمجلس الوزراء مس العقار أو صناديقه, والسبب في هذا التوتر هو الارتفاع الكبير – يراه البعض غير مبرر – في أسعار العقار سواء جانب الإيجارات منه أو جانب الأراضي المطورة والخام، هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى, فإن حالة الركود التي يعيشها العقار منذ فترة, خاصة في جانب الصفقات الكبيرة التي تحدد اتجاهات السوق وحجم السيولة فيها, تعزز تلك المخاوف كثيرا. وألمحت إلى هذه الحالة في أكثر من مقال, وهي في نظري, حالة طبيعية عند هذا المستوى من الأسعار, فالسوق حتما ستمر بركود في مضاربات الأراضي الخام بينما تبقى نشطة في قطاع التأجير نظرا لقلة العرض. لكن القضية أعمق من مجرد عرض وطلب, فالتنظيمات التي أدخلتها الدولة أخيرا على طريقة عمل المساهمات العقارية وكذلك الشروط الصعبة التي تفرضها الأمانات على المطورين, كان لهما دور في إحجام التجار عن تطوير مخططات جديدة وركودها، لذلك تورطت السوق في المراهنة على عامل التضخم ومقولة «العقار ابن بار»، بينما يراهن المستثمرون المحتملون على انهيار محتمل في سوق العقار وفقا لسيناريوهات سوق العقار الأمريكية، والجميع يترقب وينتظر ويتوتر مع إطلالة كل يوم إثنين.

وللمقارنة أطرح السؤال: لماذا انهارت سوق الأسهم السعودية؟ لأن هناك سوقا فاعلة تُظهر أسعار الصفقات التامة فورا وأمام الجميع في شاشات عرضها وطولها بالأمتار. فأي عملية بيع ستصل إلى السوق بسرعة كبيرة ليبدأ الجميع فورا بتعديل توقعاتهم وقراراتهم بالبيع والشراء, وهذا ينعكس على الأسعار المعلنة فيستطيع أي طرف إعادة تقييم السوق.كما أن عدد المتداولين كبير جدا, فالسوق تنافسية شبه كاملة لا أحد يستطيع فرض الأسعار ـ نظريا على الأقل – لذلك عندما لاحت في الأفق بوادر الانهيار بدأ البيع بشكل جنوني, بينما تعرض الشاشات الصفقات وأسعارها فورا كان الجميع يقف صفا في طابور البائعين رغم أنهم لا يرون أحدا أمام نافذة المشتري، ذلك أن توقعات المشترين كانت أسوأ. وبينما تنهال عروض البيع كانت الأسعار تنهار يوما بعد يوم. والسؤال الآن: هل هذه هي صورة سوق العقار؟ هل توجد سوق فاعلة بحيث يعرف الجميع من شرق المملكة إلى غربها معلومات كل صفقة بشكل فوري؟ هل يعرف الجميع عن العروض والبائعين والأسعار، هل تصل المعلومات ـ أية معلومات ـ إلى جميع المتداولين (مشترين وبائعين) بالسرعة نفسها؟ كل ذلك غير متوافر.. فكيف نقارن هذا بذاك؟ هل هناك اليوم من يعتقد بعدم وجود صفقات بيع أقل من الأسعار الجارية وبمراحل؟ بالطبع لا، ولعلي لن أجانب الصواب لو قلت إنني متأكد من أن هناك من يضطر ويبيع بأقل من أسعار التثمين الجارية, لكن مثل هذه المعلومة تضيع في سوق ضخمة وشاسعة. وبما أن لا أحد مجبر على البيع بسرعة ولا توجد أسعار معلنة تحدد قيمة الأراضي والصفقات التي تمت ولا يوجد تثمين للثروات في نهاية كل فترة فلا يمكن القول بحدوث انهيار سوق العقار بشكل كارثي. حتى مع وجود مؤشرات اجتهادية للسوق فإنها لم تزل غير معتمدة وغير قادرة على خلق سوق فاعلة.

ومقارنة بسوق العقار الأمريكية، فالفرق شاسع أيضا، ذلك أن الانهيار قد أصاب البنوك التي تعاملت في الرهن العقاري بشكل أساس. والمشكلة مشكلة تثمين أكثر منها عروض بيع ضخمة, فالتثمين يحدد حجم الثروة هناك بشكل قانوني. فقد ارتفعت أسعار العقارات مع ارتفاع أسعار الفائدة حتى تعثر البعض عن السداد ليتم بيع منازلهم في السوق الآنية, وهي سوق انتهازية تهوي بالأسعار غالبا. لم تتأثر البنوك بما يحدث ولا أسعار عقاراتها المرهونة السليمة حتى جاءت نهاية السنة المالية وبدأت عملية التثمين، هنا يجب أن تستخدم البنوك طريقة السعر العادل الذي يقدر وفقا لأسعار البيع التي تمت بالفعل (حتى لو أن البنك لم ولن يبيع بتلك الأسعار) فجاء التثمين كما الانهيار. والآن هل هذا هو واقع السوق العقارية لدينا؟ هل تقوم البنوك بالبيع والشراء في المنازل ولديها أصول عقارية ضخمة قد تثمن في أي لحظة بصورة دراماتيكية؟

لن يحدث انهيار للسوق العقارية بهذا الحجم الذي نتوقعه، فما هو المتوقع؟ إن أي تراجع في أسعار العقار يجب أن يبدأ من العوائد، لذا فمن المتوقع أن تبدأ العوائد بالتراجع أولا، بدءا من العوائد على الأراضي الخام حتى تصل إلى الإيجارات. وبعد أن كان العائد السنوي يتجاوز 12 في المائة سيبدأ بالانخفاض حتى يهوي إلى ما دون سعر الفائدة السائد. فانخفاض العوائد على مضاربات الأراضي الخام وارتفاعها في الإيجارات سيحفز بناء الوحدات السكنية والتجارية, ما يزيد العرض لتبدأ معه عوائد التأجير في الانخفاض التدريجي حتى تتدنى العوائد في سوق العقار إلى ما دون معدل الفائدة السائد, وهناك يفضل الجميع الخروج من سوق العقار للدخول في مشاريع ذات عوائد أعلى من سعر الفائدة. القضية هي قضية العوائد والانخفاضات ستتعلق بالعوائد بشكل أساسي, لكن يكون هناك انهيار في الأسعار بشكل صاعق ومفاجئ. لقد تنبأت بوضع سوق العقار منذ أكثر من ثلاث سنوات وفي أكثر من مقال في «الاقتصادية», وأكدت أن انتعاش سوق العقار مع بقاء سوق الأسهم في انهيارها قد يقود إلى ركود, وهو ما حدث بالفعل، لكن الأهم من هذا أن تراجع عوائد سوق العقار مع عدم وجود منفذ استثماري جاهز ستكون نتائجه الاقتصادية غير معلومة, لكن أهم ظواهرها ارتفاع السيولة, وبالتالي التضخم.

الوسوم: , , , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك