|

هل أصبح رمضان شهر الغلاء؟

Share |

عبدالعزيز العويشق رمضانكتبه: عبدالعزيز حمد العويشق

على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة والكثير من الدول الإسلامية لمنع ارتفاع الأسعار في رمضان، إلا أن النتيجة، عاماً بعد عام، هي ارتفاع الأسعار خلال هذا الموسم بمعدلات تتجاوز معدلات التضخم العالمية خلال الفترة نفسها. وتعم الشكوى من الغلاء في الدول الإسلامية من أفريقيا إلى آسيا، في الدول الفقيرة والغنية على حد سواء. وتقرأ مقالة من سيراليون أو غزة أو مصر، وكأنك تقرأ مقالة عن جدة أو عمان أو الدوحة. ويشكون في مالي المالديف، كما يشكون في تمبكتو مالي.

وفي المملكة، على الرغم من الدعم الحكومي الكبير للكثير من السلع، قلما يشعر المستهلك بآثار ذلك الدعم الذي يحصل عليه التجار ولكنه قلما ينعكس على الأسعار، خاصة في رمضان.

أما “التخفيضات” التي تتفنن المحلات التجارية في الإعلان عنها لجذب المتسوقين إليها، فإن تجربة المستهلك معها في نهاية المطاف سلبية، فما تعطيه باليمين على شكل تخفيضات تأخذه باليسار عن طريق رفع أسعار المواد الأخرى.

وفي مصر، أنشأ الحكم الجديد وزارة جديدة للتضامن والعدالة الاجتماعية، أعلنت عن أساليب جديدة في محاربة الغلاء، حيث تمنح المواطنين دعماً مباشراً من جهة، عن طريق توفير بعض السلع بنصف السعر، وتتدخل في الأسواق بطرح كميات من المواد التي يشح المعروض منها. وتدير مصر أحد أعقد نظم دعم الاستهلاك، حيث يستفيد من هذا الدعم نحو (64) مليون مواطن. وسيراقب الاقتصاديون الأساليب الجديدة لحكومة الثورة، ليروا مدى نجاحها في تخفيض الأسعار، كما سيراقبها التجار على الأرجح ليروا كيف يمكنهم تحييد آثارها!

وفي الأردن، دعت جمعية حماية المستهلك يوم السبت إلى مقاطعة “السلع” التي تجري المبالغة في أسعارها. ولكن من غير المحتمل أن تنجح مثل هذه المقاطعة، لأن بعض هذه السلع من “ضروريات” رمضان، ولهذا يستهدفها بعض التجار على وجه الخصوص. وربما كانت مقاطعة المحلات التي تبالغ في الأسعار أكثر نجاحاً.

وفي دبي، أعلنت دائرة التنمية الاقتصادية بحكومة دبي يوم السبت أنها ستقوم بزيارات تفتيشية للأسواق خلال شهر رمضان، تهدف إلى التأكد من توفر السلع بكميات كافية، وحماية المستهلك، بهدف التأكد، على سبيل المثال، من الالتزام بالأسعار التي حددتها الحكومة، ومطابقة الأسعار التي تتعامل بها الأسواق مع الأسعار المعلنة.

والسؤال الذي يتبادر للذهن هو لماذا ترتفع الأسعار في رمضان؟ وعلى الأخص ما هي الأسباب المتعلقة بموسم رمضان، وليس الغلاء بشكل عام. وأرى أن من أهم تلك الأسباب:
1. أن موسم رمضان يوفر البيئة المناسبة لإقناع المستهلك بأن هناك ندرة في السلعة المطلوبة، وهذا شرط لرفع الأسعار، حتى لو كانت ندرة متخيلة أو مصطنعة، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق تحفيز ما يُسمى في علم الاقتصاد بشراء الهلع panic buying، أي الشراء خوفاً من نفاد الكميات المعروضة، فمن منا يقبل بأن تُحرم أسرته خلال هذا الشهر مما اعتاد عليه في كل رمضان؟ وتُحدث تجربة الأعوام الماضية لدى المستهلكين توقعات سلبية وتخوفاً غير عقلاني من ارتفاع الأسعار مرة أخرى، وربما بشكل مفاجئ، مما يؤدي إلى شراء كميات كبيرة في وقت واحد لخوف المستهلك بأن الأسعار قد ترتفع فجأة، وهي ظاهرة تغذيها الشائعات في ظل غياب المعلومات الصحيحة والثقة بالمستقبل.
2. يظهر أثر الغريزة التجميعية hoarding instinct لدى الكثيرين بشكل أوضح في موسم رمضان، وهي ظاهرة ليس لها علاقة كبيرة بالعوامل الخارجية بل تأتي استجابة لرغبة نفسية يغذيها الجوع وعدم الثقة في توفر الغذاء بشكل كاف لدى الحاجة إليه، والحاجة إلى التسوق خلال ساعات محددة، عادة ما تسبق الإفطار، أو خلال الفترة القصيرة المتاحة بعد صلاة التراويح وقبل وقت النوم.
3. التصور السائد بضعف الرقابة على الأسعار خلال شهر رمضان، وأن الجهات المسؤولة تتوقع وتتقبل زيادة في الأسعار خلال شهر رمضان، وأن موظفي الرقابة قد لا يستطيعون أداء مهامهم على الوجه المطلوب خلال الظروف الصعبة في نهار رمضان.
4. عدم وجود وسائل اتصال ميسرة للتواصل مع الجهات الرقابية خلال شهر رمضان، لرفع البلاغات والشكاوى.
5. تدني مستوى المعلومات عن الأسعار السائدة والكميات المتوفرة من السلع الرمضانية.
6. أن رمضان بالنسبة لبعض الأسر قد أصبح موسماً للتفنن في أنواع الطعام، بل سباقاً في البذخ والإسراف. وزيادة الطلب على هذا النحو المبالغ فيه، على أصناف معينة، يؤدي إلى رفع أسعارها.

ولأن رمضان يوفر البيئة الملائمة لرفع الأسعار، فإن كثيراً من التجار يحرصون على أن تتم ارتفاع الأسعار خلال هذا الشهر، لأنهم يعلمون أنه متى ما ارتفعت خلال رمضان، فإنها ستظل مرتفعة بعده، إلى رمضان القادم، حيث تُرفع مرة أخرى. فنحن نعلم من أبجديات الاقتصاد أن الأسعار متى ما ارتفعت فقلما تنخفض، بصرف النظر عن انخفاض تكلفة الإنتاج.

* صحيفة الوطن السعودية

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك