|

نظام الصندوق العقاري…لماذا التحديث؟

Share |

كتبه: د. سليمان بن عبدالله الرويشد

صندوق التنمية العقارية بالرغم من كل أوجه النقد التي تطاله من حين لآخر على أعمدة الصحف وفي الملتقيات العلمية المتخصصة التي لها صلة بنشاطه، يظل حاضراً في الذهن على أنه أحد المكتسبات التنموية التي استمرت عطاءاتها للمواطنين بكافة فئاتهم على مدى يصل إلى نحو أربعة عقود، فالوحدات السكنية التي مول الصندوق بناءها وتزيد في مجملها على ستمائة ألف وحده سكنية، نراها بوضوح منتشرة في محيط ما يربو على تسعين مدينة تتوزع في مناطق المملكة ومحافظاتها، وعلى نحو لم يسبق أن استطاعت أي مؤسسة إسكان في المملكة أن تقوم به من قبل؛ لذا يأتي قرار مجلس الوزراء الذي صدر الأسبوع الماضي وشمل جملة من الخطوات للرفع من كفاءة أداء الصندوق ومن بينها التوجيه بتحديث نظامه، ليؤكد رسوخ مكانة هذا الصندوق واعتباره أحد الأذرع الأساسية التي لن يتم التخلي عنها أو التراجع عن دورها في تنمية قطاع الإسكان بالمملكة يعزز هذا التوجه ما يعول عليه من دور لهذا الصندوق في خطة التنمية التاسعة الحالية الذي يفوق في حجمه الدور المنوط بالهيئة العامة للإسكان في هذه الخطة.

لكن ما مبررات هذا التحديث… وهل هو فقط نتيجة التزايد في قوائم الانتظار التي تتراكم عاماً بعد آخر للمتقدمين بطلب تمويل من الصندوق، التي لا تمثل في الحقيقة سوى عرض لواقع حال هذه المؤسسة الحكومية التي تمنح قروضاً حسنة لبناء المساكن، وليس للب المشكلة التي تعاني منها وهي تضاؤل قدرتها على تمويل مزيد من المتقدمين لتوقف كثيرا ممن سبق أن اقترضوا من الصندوق عن سداد المستحقات المالية السنوية عليهم.

إن عودة لتاريخ قريب في تتبع أداء هذا الصندوق وليس في مرحلة بدايات نشاطه، تظهر لنا بوضوح التراجع في هذا الجانب، ففي خلال العشر سنوات الماضية التي شهدت تنفيذ خطتي التنمية السابعة والثامنة، ساهم الصندوق في الأولى منهما، وهي الخطة السابعة بتمويل بناء ستين ألف وحدة سكنية أو ما يمثل نسبة 20 % مما كانت تلك الخطة تستهدف بناءه من مساكن، وحين شرع في تنفيذ خطة التنمية الثامنة أخذ هذا الدور يتراجع إلى أقل من النصف، فعلى الرغم من الزيادة في عدد الوحدات السكنية التي مول تنفيذها الصندوق وبلغ إجماليها تسعين ألف وحدة سكنية في هذه الخطة، كانت نسبة مساهمة الصندوق في بناء ما كانت تستهدفه الخطة الثامنة من مساكن لم تتعد 9 %.

هذه النسبة المتواضعة في مساهمة الصندوق بتمويل بناء مزيد من الوحدات السكنية ظلت مستمرة حتى في خطة التنمية الخمسية التاسعة التي نعيش جزءا من مرحلتها في الوقت الحاضر، حيث بقيت تلك النسبة في حدود 11 % ولم تستطع أن تستعيد ما كان لهذا الصندوق من دور في مرحلة ما قبل العشر سنوات الماضية على الأقل، لهذه المبررات برزت ضرورة وأهمية الحاجة لتحديث نظام الصندوق من أجل جعله يتفق مع المستجدات التي طرأت على قطاع الإسكان في المملكة ويتكيف مع المراحل التي يمر بها ما بين فترة وأخرى.

إن من بين المقترحات التي ينظر إلى أنها فعالة وسبق أن تناولتها في مقال سابق لتحديث نظام هذا الصندوق، والتخلص في ذات الوقت من السلبيات التي ارتبطت بآليات عمله، والتي من أبرزها شح موارد الصندوق، والبناء الفردي للمساكن، هو إضافة دور جديد لهذه المؤسسة العريقة نسبياً في قطاع الإسكان بالمملكة، يتمثل هذا الدور في أن يكون الصندوق قناة للادخار توزاي نشاطه في مجال الإقراض لبناء المساكن، وذلك عبر السعي لامتصاص السيولة التي في أيدي الناس مما يفيض عن احتياجاتهم اللازمة، لتودع تلك السيولة في حسابات لدى الصندوق تخصص لهذا الغرض، أياً كانت أعمار هؤلاء الراغبين في الادخار أو فئاتهم، وربما كذلك جنسياتهم من مواطني دول مجلس التعاون أو المقيمين في المملكة، لتوظف تلك المدخرات في استثمارات سكنية يكون القطاع الخاص ذراع الصندوق التنفيذي له في هذا النشاط الجديد، مثلما الأفراد ذراعه في تنفيذ المساكن بالوقت الحاضر، وتكون تلك الادخارات ذات عائد سنوي لمن يرغب في ذلك، وتلبي في ذات الوقت توفير احتياج ضروري يهدف هذا الصندوق إلى تحقيقه لغالبية المدخرين في نهاية المطاف وهو المسكن في وقت معين من سنوات الادخار.

إن هذا الدور حري للصندوق أن يقوم به، عبر توسيع دائرة نشاطه من مؤسسة إقراض حكومية مرهونة بظروف الدولة المالية تسهم في مساعدة المواطنين ليتمكنوا من بناء مساكن لهم، ليشمل ذلك النشاط أيضاً الجانب الاستثماري لمن يرغب في الادخار بقطاع الإسكان من أجل توفير المسكن المناسب لأولئك المدخرين وفق خيارات ملائمة لهم وضمن حدود مدخراتهم وفي الوقت المناسب من حياتهم، فالمراهنة على دور الصندوق في المساهمة بفعالية لمعالجة قضية الإسكان لايمكن أن تتحقق ما لم تتنوع مصادر تمويل أنشطته التي من أبرزها مدخرات المواطنين والمقيمين.

*صحيفة الرياض

الوسوم: , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك