|

قطعة أرض في وطني!!!

Share |

كتبه: د. محمد أبو حمرا
حينما كنت صغيرا في قريتنا أذكر أنه كان بإمكان المواطن أن يخطّ برجله المساحة التي يستطيع أن يبني عليها بيته، وكان يحسّ بأن الأرض أرضه والوطن وطنه كله، ولم نكن نعرف يومها امتلاك الأراضي، بل كان المرء لا يخاف من أزمة.

السكن يومها؛ حيث كان الناس أسرة واحدة، يتعاونون على إنشاء مسكن لأحدهم دون مقابل ودون الرجوع للبلدية أو المجمع القروي. ولم يكن يومها هناك من يمنعك تحت مسمى «نظام امتلاك الأراضي» أو يطلب منك إبراز صك ملكية لهذه أو تلك الأرض، بل لك الحق أن تقيم منزلك وتزرع أنَّى شئت على شرط أن لا تعتدي على ملك غيرك. كنا نعرف أننا أبناء هذه الأرض؛ لأن الناس في القرى أو المزارع لا يمكن لأحدهم أن يعتدي على ما يملكه قريبه أبدا؛ فعامل الحياء والحشمة والقرابة يكون لجاما مهما في تنظيم العلاقات بين الناس؛ ولأن القرى الصغيرة يكون فيها عقلاء لهم الرأي والحل والعقد في القضاء على المشاكل عن طريق الصلح لإصلاح بين الأقرباء؛ فيستبعد أن يكون هناك خلافا أصلا.

وجاء تنظيم المساكن والإسكان، وبدأ هذا النظام يزحف ببطء إلى القرى الصغيرة حتى ولو كان ساكنوها إخوة وأبناء رجل واحد! أي أن المسألة التنظيمية أعطيت أكبر من هدفها التنظيمي المقصود منها، لكن المجمعات القروية والبلديات أعطت مسألة السكن في القرى الصغيرة حجما أكبر من ذات المسألة، فكان التضييق والمتابعة والمساءلة أمرا مهما لهم تحت مسمى «التعديات» وصار المواطن في هجرته النائية أو قريته لا يستطيع أن « يخطّ برجله» سكنه لأن لجنة التعديات سوف تقصّ رجله التي خط بها سكنه!!

شيء غريب أن يعيش المواطن الذي خدم أجداده وآباؤه بلدهم بدماء المحبة والعشق، غريب أن لا يجد قطعة أرض ولو بحجم عش العصفور ليقيم بويتا يستر أطفاله ويقيهم الحر والقر! إلا بعد منحه ذلك العش الذي يشيب وهو ينتظر المنحة! بينما قريته أو بلدته تقع في صحراء قاحلة وتعاني من قلة السكان ونائية جدا ومهملة خدميا!!

ولا أدري لماذا يطبّق نظام المدن المزدحمة التي أسعار العقار فيها بالمليارات على قرى قد لا يسكنها إلا أبناء رجل واحد فقط؟ ومع ذلك يمنع أحدهم من بناء سكن له ما لم يمتلك صكا أو منحة ليقيم سكنه عليها؟! إنها غرابة الزمن وغرابة التصرف وغرابة المفاهيم في تطبيق نصّ النظام لا روحه التي تحب أن يعيش المواطن عزيزا مرفوع الرأس في بلده!!

فهل من نظرة عاقلة وعادلة في كيفية بناء المساكن في القرى الكثيرة التي تحدّها الصحاري الشاسعة من كل مكان؟ وهل لدينا قلة أراض حتى يبقى المواطن سنين طويلة حتى يمتلك أرضا في بلده لبناء ما يستر أسرته؟! إنها عجائب الحضارة التي أخذنا قشرتها دون روحها ونحسب أننا نحسن صنعا!!

* صحيفة الجزيرة السعودية

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك