|

قطر 2022.. نمور غرب آسيا

Share |

كتبه: عبدالحميد العمري

أهنئ دولة قطر الشقيقة والجار بفوزها الكبير بشرف تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022، التي اختيرت في التصويت الذي جرى يوم الخميس الماضي 2 ديسمبر، في مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بمدينة زيورخ السويسرية؛ وأراه بحقٍّ تتويجًا مستحقًا للنجاح اللافت لقطر الحبيبة على كافّة المستويات التنموية والاقتصادية والمالية، التي سأتناولها تحديدًا هنا، أما بقية الجوانب الرياضية والاجتماعية فلها أهلها الذين لا يُفتى بوجودهم، إذ إن الأمر لا يقف كما قد يتصور البعض عند هذه الكرة من الجلد المملوءة بالهواء! فعدا المليارات من البشر المتابعين لها إلى درجة الجنون، أصبح يُحيط ويرتبط بها الكثير جدًا من الصناعات والخدمات التي تتطلب إنفاق العشرات من مليارات الدولارات، التي تُقدر بلغة أرقام اليوم بأكثر من 45 مليار دولار فقط على المنشآت الرياضية والسياحية داخل حدود قطر، عدا العشرات الأخرى التي سيتم إنفاقها على مشاريع الطرق السريعة والجسور وشبكات مترو الإنفاق في المدينة وبين بقية المدن، وتحديث وتوسيع الموانئ، وإمدادات الكهرباء والمياه، وخدمات الصرف الصحي، إضافة إلى المشاريع الضخمة في قطاع التشييد والبناء، لعل من أبرزها تشييد مطار الدوحة الدولي الجديد الذي يستهدف لاستقبال نحو 50 مليون مسافر سنويًا، وتشييد الفنادق ومضاعفة قدرات إيوائها، وما يُمثله كل ذلك دون تفصيلٍ من تحويل كامل الاقتصاد القطري خلال الاثني عشر عامًا القادمة، إلى واحدةٍ من أكبر ورش العمل والتطوير على مستوى العالم، لا شك أنه في ظل التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي، الذي وصل إلى مراحل متقدمة جدًا تنتظر تتويجها بالعملة الخليجية الموحدة، أؤكد أنه سيُحدث نقلةً نوعيةً بالغة الأهمية على مختلف المستويات الاقتصادية والتجارية والمالية في المنطقة، وهو ما يتطلّب من كافّة الدول الأعضاء في المجلس المضي قدمًا لتكثيف العمل والتعاون مع دولة قطر، واستثمار هذا الحدث العالمي الكبير لما فيه مصلحة هذا الجزء الحيوي من العالم.

في رأيي أن النجاح الكبير المتحقق لدولة قطر بتنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022، يقف وراءه عدد كبير من العوامل الإيجابية ساهمتْ في تعزيز وتطوير الاقتصاد القطري، بل وبالقفز به على سلّم التنمية البشرية والإنسانية على حدٍّ سواء، خاصةً خلال العقد الأخير، أمّا خلال العقد القادم 2010-2020م فوفقًا لتصنيفات العديد من الهيئات والمنظمات الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين؛ فإنه يُصنّف ضمن أسرع خمسة اقتصادات نموًا على مستوى العالم خلال هذا العقد القادم. إذ بالنظر إلى حجم الاقتصاد القطري في الوقت الراهن، والمصنّف ضمن الاقتصادات الناشئة، يُقدّر أنه سيتجاوز 126.5 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2010م، أي ما نسبته 12.7 في المئة من إجمالي اقتصادات دول مجلس التعاون مجتمعة، ونحو 29.1 في المئة من حجم الاقتصاد السعودي.

وتُعد هذه الإحصاءات والنسب بالنسبة للاقتصاد القطري لافتةً جدًا إذا ما عدنا إلى الوراء عقدين من الزمن؛ إذ لم يكن يتجاوز حجم الاقتصاد القطري في عام 1990م أكثر من 7.4 مليار دولار (3.8 في المئة من إجمالي دول المجلس، و6.3 في المئة من الاقتصاد السعودي)، وارتفع لاحقًا بنهاية العام 2000م بنحو الضعفين والنصف ليستقر عند 17.8 مليار دولار (5.2 في المئة من إجمالي دول المجلس، و9.4 في المئة من الاقتصاد السعودي) إلى أن وصل لحجمه الراهن، الذي يتضح أن تضاعف خلال عقدين بنحو 17.2 مرة، مقابل 3.7 مرات فقط للاقتصاد السعودي، ونحو 5.1 مرات لاقتصادات دول المجلس.

وقياسًا على تلك المستجدات؛ يُقدّر صندوق النقد الدولي أن يتسارع نمو الاقتصاد القطري إلى أن يصل حجمه مع نهاية 2022م إلى نحو 540.5 مليار دولار أمريكي (19.3 في المئة من إجمالي دول المجلس، و46.2 في المئة من الاقتصاد السعودي)، أي أنه سيتضاعف بالمقارنة مع حجمه الراهن بأكثر من 4.3 مرات.

إننا إذ نتناول الجوانب المالية والاقتصادية المرتبطة بحدثٍ عالمي كتنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم في دولةٍ شقيقة ومجاورة تاريخيًا، وعضوًا شريكًا للاقتصاد السعودي في دائرة التكامل الاقتصادي الخليجي، يجدر بنا أمام كل ذلك وأمام الفرص الاستثمارية والتجارية والصناعية الواعدة في هذا الصدد، أن نكون دائمًا على أهبة الاستعداد والمبادرة للاستفادة المشتركة فيما بين دول المجلس بصورةٍ عامّة، وبين السعودية وقطر على وجه الخصوص. فكما أن قطر ستقوم ببذل كافّة جهودها ومواردها اللازمة لتحديث وتوسيع وتشييد البنية التحتية لديها من أجل إنجاح حدث عالمي بهذا الوزن، فإن الاقتصاد السعودي هو أيضًا بحاجةٍ إلى مماثلة تلك الجهود في طموحها المشروع، وتحديدًا في المنطقة الشرقية الأكثر قربًا جغرافيًا من قطر، -المنطقة الشرقية- التي قطعتْ شوطًا كبيرًا على مستوى تنميتها وتطويرها، غير أن تنظيم كأس العالم في قطر، يعني ضرورة استحثاث مزيد من الهمم والمبادرات والعمل الدائب لتحقيق المنافع الاقتصادية والمالية والاستثمارية للاقتصاد والمجتمع في السعودية. سواءً على مستوى زيادة وتائر التجارة المتبادلة، أو توافر فرص العمل للمواطنين السعوديين، أو زيادة إرساء العقود على الشركات والمصانع السعودية؛ لعل من أهم ما يقتضيه ذلك إعادة السماح لشركات الاسمنت بالتصدير للخارج – على أقل تقدير لدول مجلس التعاون-.

ينتابني شعورٌ مشبعٌ بالتفاؤل أن النجاح المتحقق للاقتصاد القطري والمتوقع استمراره بحول الله، ستنتقل عدواه الإيجابية إلى مختلف بقاع وجغرافيا دول مجلس التعاون، بما قد يجعلنا على موعدٍ قريب بولادة (نمور غرب آسيا) في حضن دوحة العرب، وهو الأمر الذي اعتادت على تحقيقه قارة آسيا من قبل، بدءًا من اليابان فمجموعة الدول في شرقها، ثم في وسطها، وكما يبدو فقد يكون الموعد قريبًا جدًا في منطقتنا، شرط أن نكون أكثر ديناميكية ومبادرة وحيوية.

الوسوم: , , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك