|

قبلة على جبين الوطن

Share |

سعود البلوي اليوم الوطنيسعد البلوي

في عيد الوطن.. نتذكر الوطن، لا لأننا نسينا معنى كلمة “وطن”، ولكن لأنه من الطبيعي أن ننشغل في متاهات الحياة حتى يقترب ذلك اليوم / الحدث الذي يذكرنا بتاريخنا الوطني، حيث تمت-كما يقول المؤرخون- أهم وحدة وطنية في العصر الحديث تحت مسمى المملكة العربية السعودية، على يد جلالة الملك عبدالعزيز الذي وحّد مجتمعاً متناحراً مبعثراً تحت لواء الدولة الواحدة. وإذا كانت المناسبات السنوية تذكّر بحدث ما، فاليوم الوطني يذكّرنا بالحدث التاريخي الأهم في حياتنا، فلنطبع قبلة وفاء على جبين الوطن وفاء وحباً له وتمسكاً بوحدته وبالعيش به لا سيما وأن فكرة الوطن تقوم على عاملين رئيسين هما: الأمان، والحياة الكريمة.

ربما يجدر بنا أن نفكر قليلاً فيما إذا كان الوطن مجرد مكان، أم أنه خيار لا نهائي لا يمكن الحياد عنه، حيث يمثل الحب الأول، والخيار الأول للعيش على ترابه حتى الممات. فالرابط المشترك بالإنسان ووطنه هو عقد سامٍ وعلاقة روحية ومادية لا تنميها الدروس ولا تكفيها الكلمات، إنما تبلورها طبيعة العلاقة، فكلما شعر الإنسان بوطنه ينبض في داخل قلبه، هنا يكون الوطن.

فالعلاقة إذن إحساس وشعور وارتباط ينغرس لا إرادياً وينمو كلما شعر الإنسان بأن حياته في وطنه أهم وأفضل من أي مكان آخر في العالم. فما يبهج الناس ويشعرهم بأهمية المناسبة المصلحة المتبادلة بين الإنسان وأرضه التي لا يمكن له أن يبيعها أو يستبدلها، وأقل ما يمكن أن يقدم مواطن لوطنه هو أن يسعد بهذه المناسبة، ويمكنه أن يتذكر المكتسبات وربما يراجع حساباته ليعرف ماذا قدم وطنه له وماذا قدم هو لوطنه؟

من طبيعة الإنسان أنه كائن حالم توّاق، إن جاز التعبير، يحلم بأن يرى وطنه في أبهى حلة، ويحسّ بمسؤوليته تجاه انتمائه الوطني، إذ لا يمكن أن يُستبدل هذا الانتماء بانتماء آخر مهما كانت الظروف؛ ولذلك يكون الشعور بالوحدة الوطنية وجداناً داخلياً، ينطلق من المكتسبات التي يكتسبها الإنسان بعد كونه مواطناً. وتأتي المناسبات الوطنية فرصة لتوحيد جميع الاختلافات والانتماءات الجزئية-ثقافياً واجتماعياً- نحو وجهة واحدة هي الوطن.

أحياناً يشعر الإنسان برغبة في أن يقول لوطنه: إني أحبك، أريد أن أعيشك كالحياة، وربما يقولها بأسلوب ما، لكنها حتماً كلمةٌ فصلٌ لمواطن محب، لا سيما أن من عوامل تطور المجتمعات عموماً أن تنظر لوطنها باستمرار بأنه كائن نامٍ يجب ألا يتوقف عن النمو والتطور، ويكون النمو بالعمل ومعالجة أي مكامن لخلل يعيق التطور حتى في الانتماء، لأجل أن يكون الحاضر زاهراً والمستقبل مشرقاً، وهنا تأتي أهمية تنمية المواطنة، التي تقوم على الانتماء المدني للوطن/الدولة، ليكون أهم من الأسرة والعشيرة والطائفة، ثم تجسيد قيم العدل والتسامح، لتسود قيمة الإنسان كعنصر فاعل في البناء الوطني ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، مكونة شراكة دائمة بين الموطن والوطن.

ومما يثير قيمة الوعي بالمواطنة التصورات التي تكمن في المجتمع عن الالتزامات والواجبات الوطنية من جهة، والحاجات والمتطلبات التي تمس حياة المواطن اليومية من جهة أخرى، والتي تستمد من الحقوق الإنسانية، ليوجد الوطن المتكامل بعد نهوض عام بالتنمية التي لا تقتصر على الماديات بل تتعداها إلى الثقافة ليكون المجتمع متصالحاً مع ذاته، فيخلق أفراداً إيجابيين بنائين، دون فقدان للبيئة الحافزة على التفاعل الخلاّق بين أبناء المجتمع الواحد في إطار الحدود الوطنية والإنسانية، التي ترتقي بالفرد إلى درجة تمكنه من تمثّل الثقة الاجتماعية والوطنية، وتجعله فخوراً بكونه مواطناً من مكان ما، وهنا تأتي أهمية تأثير النخبة أو الصفوة في الوعي بتنمية المواطنة، كي ينتبه المجتمع إلى أهمية الكلمة، وإلى أهمية فكرة الوطنية والمواطنة والوطن أيضاً، دون اللجوء للشعارات البراقة التي لا تؤدي إلى الهدف الأسمى وهو استقرار الوطن وعزة الإنسان في وطنه.

وخاصة أن تجارب المجتمعات تشير إلى أن التطوير هو مفتاح التنمية بوجه عام، باستثمار الفرص التاريخية للتقدم لاسيما أن الحياة تسير بتسارع يجعل من الضرورة العمل على تهيئة الإنسان السعودي لمكان أفضل بين الأمم الأخرى، ولا سيما أن أجيالنا القادمة تحثنا على بذل المزيد من الجهد لتحقيق هذا الهدف لبناء جسور التواصل والتعاون بين المواطن والمسؤول للتعاون معاً في التخطيط والإعداد لوطن يكون صمام أمان لجيل المستقبل.

* صحيفة الوطن

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك