|

غلاء المعيشة بين التشريعات والبيروقراطية

Share |

كتبه: ماجد قاروب

مؤسسة النقد العربي السعودي توقعت في مايو أن يستقر التضخم في الربع الثاني من العام وأن يظل مدفوعاً بارتفاع أسعار الإيجارات والأطعمة.
واستمر التضخم السنوي في المملكة في الارتفاع للشهر الثالث عشر على التوالي ليصل إلى (5.5%) في يونيو، وهو أعلى معدل له منذ مايو من العام الماضي بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات والأطعمة والمشروبات.
وقالت مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في موقعها على الإنترنت مؤخراً إن الإيجارات التي تشكل (18%) من وزن مؤشر الرقم القياسي لتكاليف المعيشة ارتفعت (0.9%) على أساس شهري في يونيو وزادت (9.2) في المائة على أساس سنوي.
أما أسعار الأطعمة والمشروبات التي تشكل (26%) من مؤشر الرقم القياسي الذي يتم على أساسه حساب التضخم فقد ارتفعت (0.6%) على أساس شهري و(6،2%) على أساس سنوي.
وقال كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي الدكتور جون أسفاكياناكيس، في تصريحات إلى “الوطن” إنه لا جديد يذكر فيما يتعلق بموضوع التضخم، إذ لا تزال الإيجارات والأطعمة تسجل ارتفاعات منذ بداية العام.
وكان أسفاكياناكيس، قد انتقد بشدة في تصريحات سابقة موقف التجار في المملكة، والذين حسب قوله رفعوا الأسعار هذا العام دون وجود مبررات واضحة، إذ إن أسعار الغذاء عالمياً سجلت انخفاضات.
وكان النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيزـ حفظه الله ـ قد طالب رجال الأعمال والتجار بمراعاة ظروف المواطنين وعدم رفع الأسعار. وحث الأمير نايف رجال الأعمال على التعاون مع المواطنين، مشدداً على دور التجار والغرف التجارية الصناعية السعودية في مراعاة ظروف المواطنين والاكتفاء بالربح المعقول.

إن صدور هذا التوجيه من قبل رجل الأمن الأول في البلاد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء يجعل من هذا التوجيه الأمني للاقتصاد ذا مغزى وأبعاد استراتيجية وطنية خطيرة تعكس أثر الاقتصاد على الأمن الوطني والمصالح العليا للبلاد.
يجب أن نوضح بأن الأمر جد خطير ويولد انعكاسات سلبية على الأمن والمجتمع وسلوكه وانحرافاته، إذ إن الأمر المزعج والمقلق في ارتفاع الأسعار هو عدم وجود المبرر المنطقي لهذه الارتفاعات، والأدهى هو أن الإيجارات والأطعمة هما السبب الرئيسي في وقت يجب أن يكونا أهم أسباب انخفاض الأسعار، إذ لا يوجد مبرر عقلاني أو منطقي لارتفاع أسعار أراضي دولة بمساحة المملكة العربية السعودية ولديها البنوك الأكثر ربحية في العالم وتملك الاقتصاد الأكبر في الشرق الأوسط، بل ومن أكبر دول العالم المصدرة لرؤوس الأموال الخاصة، وبمقارنة بسيطة مع دولة مثل مصر التي تبلغ مساحتها أقل من ربع مساحة السعودية ولديها ثلاثة أضعاف عدد السكان يكلف شراء فيلا متوسطة الحجم وبتشطيب عالي الجودة، مبلغ مليون جنيه فقط، على أربع سنوات بلا فوائد وبالتقسيط على عشر سنوات، لا يزيد ذلك على القيمة سوى (30% فقط). وهذه الفيلا مجهزة بجميع الخدمات من مياه وصرف وكهرباء وهاتف وخدمات تعليمية وصحية وترفيهية وغيرها. وفي المقابل نجد أن الفيلا المشابهة وبلا أي خدمات، لأنها في الغالب خارج النطاق العمراني‘ نجدها على الأقل (بـ3ملايين) ريال، حيث يلاحظ هنا فرق العملة، أي ما يساوي في مصر(700،000 ريال) يباع هنا (بـ3 ملايين)، تصل مع التقسيط إلى (5 – 6 ملايين) خلال عشر سنوات. هذا يؤكد أن صناعة التمويل والتطوير العقاري السعودية تعاني من خلل كبير في جميع عناصرها، من تخطيط إلى تمويل إلى قوانين وتشريعات وهيئات ومؤسسات إشرافية وتنظيمية وتنفيذية وقضائية، سواء كان ذلك بوزارة العدل أو كتابة العدل أو مكاتب العقار وتجار العقار، وكذلك مؤسسة النقد والبنوك وشركات التطوير العقاري، حيث يجب ألا ننسى أن معظم المساهمات الوهمية كانت في المجال العقاري، وطارت معها عشرات المليارات من أموال المواطنين عجزت الأجهزة الأمنية والحقوقية والقضائية عن إعادتها حتى الآن وعجزت الأجهزة الحكومية مثل التجارة والنقد والمالية عن منع انتشارها وتوسعها في غيبة عن دور حقيقي وفعال للغرف التجارية، كما الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة مثل مصلحة الزكاة والدخل ووزارة العمل والعمال والبلديات والبنوك وشركات الكهرباء والماء، بما فيها من بيروقراطية أدت إلى أن يكون من العقار، تملكاً أو إيجاراً من أهم عوامل غلاء المعيشة وليس يسرها كما هو مفترض في دولة بمساحة بلادنا. والخطر كل الخطر في أنظمة التمويل والرهن العقاري القادمة التي تفسر من الناحية القانونية بأنها دين على كل مواطن وليس مسكنا لكل مواطن. وبالوضع الحالي لوزارة المالية ومؤسسة النقد وكتابة العدل وشركات التطوير والتمويل العقاري والبنوك وشركات الاستثمار المالي ومكاتب العقار والسمسرة والتثمين العقاري سندخل في مرحلة خطيرة جداً من التضخم السعري تقفز بالأسعار الخيالية واللامعقولة اليوم بعدة أضعاف تجعل من حلم السكن كابوسا مزعجا للمواطنين من الطبقة الوسطى. أما الفقراء من أصحاب الدخول التي تقل عن (10.000ريال) وهم يمثلون أكثر من (95%) من حجم المجتمع فهي حلم لا يمكن لهم حتى الحلم به. وحسناً فعلت الظروف في تأخر إصدار قوانين الرهن والتمويل العقاري حتى الآن، لعلها تجعل هناك متسعاً من الوقت لتقوم المؤسسات والوزارات الحكومية والقطاع الخاص والغرف التجارية بواجباتها المُناط بها لتحقيق الغاية والفائدة من هذه القوانين. أما من ناحية الأطعمة والمشروبات فيكفي تعليق كبير اقتصاديي البنك السعودي الفرنسي الذي أكد ارتفاع الأسعار في المملكة مقابل انخفاضها عالمياً. والأطعمة تشمل حتى المطاعم برغم أن العمالة هي الأرخص مع الكهرباء والماء والنظافة في بلادنا، بما فيها الطاقة والوقود مقارنة مع باقي دول العالم، إلا أنها الأعلى في وقت نجد أن جميع أسعار الخدمات المساندة المذكورة بعاليه في الدول المجاورة وحتى العالمية هي أعلى في متوسطها عن سعرها في السعودية. وبالرغم من ذلك نجد غلاء المعيشة في الأطعمة والمشروبات ونحن في شهور الصيف فما بالكم مع دخول موسمي رمضان والحج. ولذلك نحن في حاجة إلى تفكير وتغيير جذري حقيقي لواقع التشريعات والقوانين والأجهزة والمؤسسات الحكومية يحمي الوطن وأمنه واقتصاده من الداخل الذي عليه أن يعمل على ترجمة حديث الأمير نايف بن عبد العزيزـ حفظه الله ـ إلى واقع نحتاج إليه اليوم لنا وغداً لأولادنا. فما يحدث لم يعد مقبولاً أو منطقياً وينذر بعواقب وخيمة على الوطن الذي وصلت فيه معدلات البطالة الرسمية إلى (11%) وفي حقيقتها أكثر من ذلك بكثير. وعلى مؤسسات الدولة وسلطاتها المختلفة العمل لواقع لا تتعطل فيه مشاريع الصحة والتعليم والقضاء والإسكان العملاقة بسبب شح الأراضي وغلائها غير المعقول.

* صحيفة الوطن

الوسوم: , , , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك