|

تخفيض الأسعار لا يحتاج لعصا سحرية

Share |

فواز العلميكتبه: فواز العلمي

اعتقادنا السائد بأن أسعار الغذاء قد تنخفض في أسواقنا نتيجة الدعم الحكومي السخي هو اعتقاد صحيح على المدى القصير فقط. لتوفير الحلول الجذرية لمعالجة هذه الظاهرة واجتثاثها من جذورها على المدى البعيد؛ من الضروري علينا معرفة أسبابها الداخلية والخارجية ومؤثراتها الخطيرة على التنمية.

ارتفاع أسعار الغذاء يؤدي حتماً لزيادة نسبة الفقر. في كل مرة تزداد أسعار الغذاء عالمياً بنسبة 10% يسقط 10 ملايين شخص آخرين تحت خط الفقر البالغ حوالي دولارين للفرد الواحد في اليوم، وطبقاً لتقرير مراقبة الأسعار الصادر عن البنك الدولي في منتصف هذا العام فإن عدد فقراء العالم ازداد 44 مليوناً منذ يونيه 2010، وذلك نتيجةً لارتفاع متوسط مؤشر سعر الغذاء العالمي بنسبة 40% خلال العام الماضي.

ظاهرة ارتفاع أسعار الغذاء ليست مقتصرة على السوق السعودية، بل هي ظاهرة عالمية ترتبط بأسباب اقتصادية متعددة ومتشعبة، من أهمها:
1. زيادة الطلب العالمي على الغذاء سنوياً بنسبة 3% نتيجة ارتفاع عدد السكان وما صاحبه من تراجع في إنتاج السلع الغذائية بنسب فاقت 7%.
2. ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته بنسبة 43% في الآونة الأخيرة أدى إلى زيادة تكاليف إنتاج وتخزين ونقل السلع الغذائية والتأمين عليها بنسبة 27%.
3. استقطاع الدول الزراعية لنسبة تفوق 35% من إجمالي محصولها السنوي لاستخدامها في صناعة الإيثانول بهدف تخفيض وارداتها من النفط.
4. ارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدولار بنسبة 11% أدى إلى زيادة فاتورة الواردات الزراعية الخليجية من الاتحاد الأوروبي، التي تشكل 37% من إجمالي وارداتها السنوية.
5. انتشار الأوبئة والآفات الزراعية أدى إلى تراجع المعروض من السلع الغذائية الصحيحة بنسبة 12%.
6. التزام الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بالتخفيض التدريجي لدعم الصادرات الزراعية الذي فاق 300 مليار دولار.
7. اشتداد حدة التغير المناخي وزيادة رقعة التصحر وانحسار الأمطار الموسمية في مختلف أرجاء العالم مما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض المخزون الاستراتيجي.
8. ارتفاع تكاليف سلسلة الاستيراد والإمداد في الدول العربية بوجه خاص، بما فيها المناولة والنقل والتخزين والإدارة، التي تبلغ في مجموعها 36 دولاراً للطن الواحد، بينما لا تزيد عن 18 دولاراً في أوروبا.

من هذا المنطلق، يتوجب علينا توجيه أهدافنا لتحقيق الأمن الغذائي من خلال الخطوات الثلاث التالية:

الخطوة الأولى: إنشاء المخزون الاستراتيجي للغذاء: تحتل الدول الخليجية المرتبة الأولى عالمياً في استيراد الشعير بكميات ضخمة تصل إلى 60% من الإنتاج العالمي القابل للتصدير، وتقع السعودية في المرتبة الرابعة في استيراد جميع احتياجاتها من الأرز. سوء وضع الأمن الغذائي الخليجي يؤكده عمق الفجوة الغذائية التي وصلت في العام الماضي إلى 92% في القمح، و98% في الذرة، و86% في الشعير، و100% في الأرز، و34% في اللحوم والألبان. هذه الخطوة تطلب منا توقيع اتفاقات دولية طويلة المدى مع الدول الزراعية لشراء السلع الغذائية الأساسية بأسعار منخفضة وتخزينها في الصوامع المنتشرة في كافة الموانئ السعودية، بحيث يتم ضخ هذه السلع في السوق المحلية لدى ارتفاع الأسعار العالمية أو لمعالجة ظواهر الاحتكار المحلي.

الخطوة الثانية: إنشاء المخزون الاستراتيجي للمياه: الدول الخليجية تعتمد على مياه محطات التحلية بنسبة لا تقل في المتوسط عن 65%، وتحصل على الباقي من المياه الجوفية الناضبة بنسبة 35%. وفي الوقت الذي تحتاج الدول الخليجية إلى 88 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنوياً، فإنها تستقبل أربعة أضعاف هذه الكمية من الأمطار الهاطلة على أراضيها سنوياً. ولكن الدول الخليجية لا تستفيد من هذه الأمطار لأن شعابها الرملية وتربتها الإسفنجية تمتص معظم المياه لتنتهي في المكامن الجوفية غير الآمنة، بينما يذهب بعضها إلى البحر أو يختفي في الأودية وخلف السدود ليتبخر أكثرها في الهواء. هذه الخطوة تتطلب تكوين بنك للمعلومات المائية، ورسم خارطة للموارد الطبيعية، وتحديد المكامن الجوفية الآمنة لتخزينها، بالإضافة إلى تشجيع القطاع الخاص على تصنيع معدات التحلية وقطع غيارها ونقل تقنياتها.

الخطوة الثالثة: استخدام المادة (11- 2- أ) في الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) بمنظمة التجارة العالمية، التي تنص صراحة على أن المنتجات الزراعية تعتبر ملكاً حصرياً للدول المتواجدة في أراضيها، وبالتالي منحت هذه المادة كافة الدول: “الحق في فرض الحظر على الصادرات بقصد منع أو التخفيف من وطأة أوجه النقص الحرج أو الحاد في المواد الغذائية أو المنتجات الأخرى التي تعد ضرورية ولا غنى عنها بالنسبة للمصدرين”. كما فرضت المادة (1) من اتفاقية (الجات) ضروة التزام الدول الزراعية بأحكام: “التفضيلات والامتيازات والإعفاءات والحصانات الممنوحة من أي دولة لأي منتج مَنشؤه أو جهته أي دولة أخرى، بحيث يجب منحها مباشرة ودونما قيد أو شرط للمنتج المماثل الذي منشؤه أو جهته أراضي كافة الدول الأخرى”. وهذه الخطوة ستؤدي حتماً إلى منحنا فرصة شراء السلع الغذائية من كافة الدول الزراعية دون استثناء في الأسعار المعتمدة، بالإضافة إلى أحقيتنا بحظر تصدير منتجاتنا الزراعية لسد احتياجات السوق السعودية.

منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال العام المقبل بنسب تتراوح بين 20% إلى 80%.
قبل فوات الأوان علينا البدء فوراً في تحقيق الأمن الغذائي، وتخفيض الأسعار لا يحتاج لعصا سحرية.

* صحيفة الوطن السعودية

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك