|

تجارة المسيار

Share |

د. مطلق سعود المطيري
لم يعد زواج المسيار هذه الايام لدينا شيئا خاصا بالزواج المتعارف عليه اجتماعيا ، ولكنه أصبح ثقافة عامة طبعت حياتنا بمظهر العبور المؤقت للوصول الى إشباغ رغبات دميمة تلبي شهوات وليس حاجات الشهوانيين من الاصناف الآدمية وتحت الآدمية ، فعلاقتنا مع التجار هي علاقة مسيار يحكمها قانون الوفرة والعوز فالزيادة المهلكة في اسعار السلع تعد لدى تجارنا من باب التجارة شطارة ، ووزارة التجارة مثل صاحب الفتوى الذي أباح زواج المسيار وفق مبادئ الزواج او الاستهلاك ، فهناك زيادة حلال وزيادة فيها شبهات ، وفي النهاية نحن امام عمل مباح حتى لو استنزف ما في الجيوب ورمى بالنفس الى ذل السؤال ، فاعتبارات نظام التجارة ليست مسؤولة عن الدخل ومقداره الذي يقف في صاحبه قبل منتصف الشهر .

وزارة التجارة العزيزة تحقق هذه الايام مع بعض التجار المتلاعبين بالاسعار تمهيدا لاحالتهم الى هيئة التحقيق والادعاء لمحاكمتهم شرعا على هذا العمل الدنيء ، واستغلال حاجات المجتمع الضرورية ، وهذا عمل يحسب لها وليس عليها حتى لو انها خشيت على سمعة المتلاعبين وحجبت اسماءهم عن الظهور حتى لا يتضرر مستقبل من تعمد الاضرار بالمجتمع ، ولعل أمر الاخفاء هذا يعود لثقافة المسيار التي تخشى النور الذي ينهي أمر الرغبة واللذة المختفية بفتوى الاباحة او شطارة التاجر النبيه ، وماهي الضرورة التي تدفع طالب الشهوة للعلن مادام ان رغباته تجد من يلبيها بستر يفضح عمل الضمير ولا يوقظه .

خبر التحقيق مع هؤلاء التجار يعد من الاخبار السعيدة ، ولكنه يبقى خبرا غير مكتمل حتى يصدر الحكم الشرعي ضد كل من استغل حاجات المجتمع وتلاعب في امر معيشته ، واستعد لاستقبال شهر التوبة بذنب يرى هذا المتلاعب ان صلاته وقيامه كفيلان بإزالته ، او ربما يطمع باستبداله الى حسنات لينعم بكسب ثمين وتوبة بفضل بركات الشهر الفضيل .

نترك أمر المحاكمة الى ان تنتهي الى إصدار حكم وأكيد انه ضد وليس لصالح تجار الغش المقيت ، حتى لا يضطر المصلون في صلاة التراويح بالدعاء بالهلاك على بعض التجار ومن تاجرهم ، ومن هذه القضية نتعرف على امر التجارة لدينا والتي تشبه تماما زواج المسيار ، فالتجار ليسوا مطالبين بدفع ضريبة على ارباح تجارتهم ، وأمر الزكاة متروك لضمائرهم وإيمانهم ، وحالهم مثل حال زوج المسيار لا يتكفل بنفقات زوجة ولا زواج ولا يعنيه امر الاولاد شيئا إن سمح ان يكون هناك اولاد ، فما على التاجر الا ان يدفع رسوما زهيدة ليبدأ عمل تجارته مهر مسيار لا اكثر ، والمجتمع او المستهلكون- مثل زوجة المسيار- يرغمهم الاضطرار الى القبول بنتائج هذه العلاقة والتي مكسبها دائما لصالح الزوج اوالتاجر ، ودور المجتمع في هذه العلاقة دور زوجة المسيار وكل زوجة تعطي حسب امكاناتها ، وبفضل تجارة المسيار هذه تم تقليص نسبة السعودة في القطاع الخاص من 13% الى 10% هذا العام حسب تحقيق صحيفة الرياض هذه ، ونتمنى ان تعمل وزارة العمل مثل عمل وزارة التجارة لاجراء تحقيق مع المتسببين في تدني نسبة السعودة في قطاع الارزاق كما هي التسمية الشعبية او القطاع الخاص كما هي تسميته القانونية ، حتى المستثمر الاجنبي عرف ثقافة المسيار لدينا وبدأ تعامله معنا كأننا زوجات مسيار ، فآخر قصص هذا المستثمر تقول انه بعدما تمتع بما هو مباح لدينا سحب 40 مليونا من جيوبنا نهبا وغادرنا بلا طلاق مبين نحسب عدتنا بعده ونتهيأ لمستثمر آخر جديد ، وكل شيء لأجل زواج او تجارة المسيار يهون ، حتى لا تزيد حالات العنوسة لدينا ونصبح على ما فاتنا نادمين ،

ونأمل ونحن في اجواء محاكمة تجار الغش ان ينصلح نظام التجارة لدينا ، ويكون هناك إلزام قانوني يتبعه جزاء واضح على المتلاعبين بالاسعار ، واحتساب جزء من ارباح القطاع الخاص لدعم السعودة ويكون إلزاميا وبقانون ايضا ، والا سنكون زوجات مسيار لبعض التجار ولن يكون لنا خيار آخر حتى خيار العنوسة ممنوع في ثقافة التجارة لدينا .

* صحيفة الرياض

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك