|

امتلك بيتاً من دون فوائد!

Share |

سليمان العرينيسليمان علي العريني

بينما أنا أعبر طريق الملك فهد في مدينة الرياض هذا الأسبوع، فوجئت نوعاً ما، بانتشار غير مسبوق، لمحلات تعلن عن توفر عروض تمويلية لتملك منزل، عروض تستهدف جميع طوائف المجتمع، وحتى المقيمين، ويبدو أن هذا استباقاً وتجهيزاً لصدور نظام الرهن العقاري، الذي بالكاد وبصعوبة بالغة أجيز من مجلس الشورى، وهو نظام يتعامل بشكل أساسي على أحد مكونات مشكلة العقار في المملكة وليس النظام ككل، حيث ركز النظام على تطوير لوائح للتمويل العقاري، والحل الجزئي قد يفاقم المشكلة ولا يحلها، وهذا قانون الحياة.
ماذا يستفيد المواطن من عروض التمويل العقاري؟ وماذا يستفيد المواطن من نظام الرهن العقاري؟ هذه الأسئلة الشرعية والمنطقية التي ينبغي أن نستعرضها وندرسها، وليس ماذا وكيف يستفيد التجار، سواء كانوا عقاريين أو مطورين؟ الوضع الحالي والحلول المؤقتة تخدم التجار والتجار فقط، أما المواطن فما زال هناك الكثير مما يجب عمله.
الدولة ومنذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز تبذل وبسخاء على مشاريع التنمية والخدمات الشاملة، التعليم العام والتعليم العالي، والصحة، والـكهرباء والمياه وغيرها، إلى جانب دعم مشاريع الإسكان، التي حظيت مؤخراً بدعم كبير وغير مسبوق من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله ووفقه، من خلال إصدار عدد من الأوامر الملكية التاريخية، التي شملت زيادة المخصصات المالية لصندوق التنمية العقاري، وتخصيص مبالغ مالية إضافية لوزارة الإسكان، والأمر بتخصيص أراض لصالح وزارة الإسكان لاستخدامها في المشاريع الإسكانية، وكل هذا الدعم ولا شك يصب في صالح المواطن والوطن.
وحيث إن الدولة أعزها الله قدمت الدعم المالي، فإنه ينبغي على الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة، والمواطن أيضاً، أن تتعاون وتتكامل في الخدمات والتشريعات وذلك لغرض تحقيق رؤية القيادة العليا، رؤية الوطن في تحقيق الرفاهية لكل مواطن، وما امتلاك سكن خاص لكل مواطن إلا أحد وأهم متطلبات وشروط تحقق الرفاهية للمواطن، فهناك مجلس الشورى ووزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة الإسكان، ووزارة المالية، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، ومؤسسة النقد العربي السعودي (كمراقب ومشرع لأعمال ونشاطات البنوك) وصندوق التنمية العقاري، على أنه من المهم دراسة وتقييم الوضع الحالي من جميع جوانبه وليس فقط الجانب التمويلي، وهو ما سبق أن حذرنا منه، مع تطوير خطة تطوير شاملة ومتكاملة. ويمكن أخذ النقاط التالية في الاعتبار عند وضع الخطة الخاصة بمشروع الإسكان في المملكة:
1- ينبغي على المواطن أن يعي أن جميع عروض التمويل العقارية والمعروضة حالياً التي سوف تأتي، ومتوقع الكثير منها سواء بنوك أو مؤسسات مالية محلية أو خارجية من خلال مستثمرين أجانب، هدفها مالي بحت، وتعتمد على وجود ضمانات عالية القيمة، عادة أعلى من قيمة إجمالي القرض، كأن يتم رهن الأرض، وتمثل الفائدة المشكلة هنا، فالغالب هنا وجود ما يسمى فوائد متراكمة، فبغض النظر عن قيمة الدفعات المسددة فإن الفوائد ثابتة، ليس كنسبة ولكن كقيمة أيضاً، وخصوصاً عند تطبيق ما يسمى تمويل حسب الشريعة الإسلامية. وهنا ينبغي أن يدرك المواطن مصلحته أولاً، مع عدم الاستعجال في الدخول في عقود تمويل عقارية تضيف على كاهله أعباء مالية إضافية، وهو ما يجب أن يحذر منه المواطن فثقافة الاعتماد على القروض كمصدر أساسي للمصاريف والاستثمارات الشخصية والعائلية بدأت تظهر على السطح كظاهرة جديدة على المجتمع. نعم، المواطن يتحمل جزءا من المسؤولية ولكن ليس كل المسؤولية، فقرار الحصول على تمويل عقاري أو غيره بيد المواطن.
2- قد يكون من المناسب أن تقوم وزارة الإسكان بإعادة النظر في أسلوب تطوير المجمعات السكنية، فالأسلوب الحالي الذي يتمثل في تطوير مجمعات سكنية لذوي الدخل المحدود مجمعات مغلقة، تعيش فيها عائلات ذوي الدخل المحدود ضمن ثقافة وتربية محدودة، ودون تفاعل حقيقي وصحي مع المجتمع كما يجب أن يتم. أثبتت التجارب الدولية أن بناء مجمعات سكنية مغلقة لذوي الدخل المحدود غير مجدية من جميع النواحي الاجتماعية والنفسية والأمنية والتعليمية والاقتصادية، فمعدلات الفقر والجريمة والجهل تزيد في هذه المجمعات مقارنة بالمعدلات السائدة في المجتمع ككل، فهناك الإسكان العام في أميركا (Public Housing) على سبيل المثال أكبر شاهد على فشل نموذج الإسكانات المغلقة. في المقابل فإن نموذج تخصيص نسبة من المجمعات السكنية الخاصة (مثل نسبة 10%) لذوي الدخل المحدود بحيث يتم دمجهم في المجتمع ويتحسن مستواهم التعليمي والثقافي أثبت نجاحها كـما حصل في سنغافورة وبعض الدول الأوروبية. لذا فينبغي على وزارة الإسكان بدلاً من بناء مجمعات سكنية مغلقة، وفي سبيل بناء الإنسان بأفضل صورة ولخدمة الوطن ومن خلال الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة؛ إعادة النظر في أسلوب توفير السكن المناسب للمواطن، وذلك باستخدام التمويل العقاري للمواطن، ومشاركة المطورين العقاريين في سبيل تحقيق الهدف المنشود وبأعلى كفاءة ممكنة.
3 – يمكن أيضاً أن يقوم صندوق التنمية العقاري بنفس المنهجية، وذلك بمشاركة القطاع الخاص بتوفير سكن مناسب بحيث يتم استخدام القرض العقاري بأفضل كفاءة ممكنة.
4- أما بالنسبة لوزارة الشؤون البلدية والقروية فالمتوقع منها الكثير، منه على سبيل المثال وضع رسوم على الأراضي البيضاء، وعدم السماح بالمتاجرة وتخطيط أراض خارج النطاق العمراني للمدن.
5 – وبالنسبة لمؤسسة النقد العربي السعودي، فما زلنا نأمل بتدخلها في موضوع القروض وتحديد شروط تمويلية عادلة لجميع الأطراف، وخصوصاً المواطن الذي لا يملك حولاً ولا قوة أمام عقود الإذعان في البنوك والمؤسسات المالية.

على أن أهم نقطة ينبغي التنويه لها هي تطوير التشريعات التي تتعامل مع مشكلة الإسكان ككل، وهذا ما نتوقعه من مجلس الشورى، إضافة إلى إعطاء العامل الزمني حقه، فلا يمكن حل مشكلة الإسكان خلال سنة أو سنتين.

* صحيفة الوطن السعودية

الوسوم: , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك