|

المبالغة في تقدير حجم الطلب على المساكن

Share |

كتبه: سعود بن هاشم جليدان

في أحد أعداد جريدة ”الاقتصادية” الموقرة السابقة، صرح أحد العقاريين بأن حجم الطلب السنوي على الوحدات السكنية الجديدة يبلغ 200 ألف وحدة، وذكر أيضاً أن ما يوفر سنوياً (أي الزيادة في العرض) لا يتجاوز 20 ألف وحدة. ويقصد هذا العقاري من هذا التصريح إيهام القراء الأعزاء بوجود طلب مرتفع وعرض متدن ينتج عنه عجز سنوي يصل إلى 180 ألف وحدة سكنية. وفي حالة وجود هذا العجز الكبير سترتفع أسعار الوحدات السكنية والإيجارات بشكل جنوني. وعند تصديق السوق, أو على الأصح معظم المتعاملين في العقار, هذه الأرقام, فسيدفعون أسعارا مرتفعة للوحدات السكنية الجاهزة وللأراضي التي تبنى عليها الوحدات السكنية. وسترتفع حمّى تداول العقارات بين المضاربين وتدفع بالأسعار إلى مستويات فلكية. وأعتقد أن هناك بعض الفتور في حركة تداول العقارات المرتفعة أسعارها أساساً, لهذا يحاول العقاريون بث الشائعات حول قلة المساكن واتجاه الأسعار إلى الارتفاع الحاد، وذلك للترويج لعقاراتهم والحصول على أعلى أسعار ممكنة. وارتفعت بالفعل أسعار العقار ومستويات الإيجار في الآونة الأخيرة, لكن مستوى هذه الارتفاعات لا تدعم ادعاءات العقاريين بوجود عجز كبير في الوحدات السكنية. ولتحديد العجز في المستقبل القريب عند مستويات الأسعار الحالية ينبغي تحديد حجم الطلب والعرض قصير الأجل، حيث ستتحرك الأسعار في المستقبل القريب بناء على مقدار العجز عند مستويات الأسعار الحالية. أما إذا أردنا تحديد الفجوة في عدد الوحدات السكنية عند أسعار معينة على الأمد الطويل فينبغي استشراف مستويات العرض والطلب في الأمد الطويل. ويمكن تقدير هذه المستويات من خلال التطور التاريخي للعرض والطلب وقياس تأثير تغير العوامل المؤثرة في جانبي العرض والطلب.

ولا يوجد اتفاق على حجم الطلب على الوحدات السكنية الجديدة في المملكة، إنما يخضع لكثير من التخمين والتقدير. والرقم الذي يورده كثير من وسائل الإعلام عن حجم الطلب السنوي البالغ 200 ألف وحدة في الوقت الحالي تقديري وليس دقيقاً. وتراوح التقديرات بحجم الطلب على الوحدات السكنية الجديدة في المملكة سنوياً في الوقت الحالي بين نحو 100 ألف وحدة و300 ألف وحدة. ويتأثر حجم الطلب بعدد من العوامل أهمها: النمو السكاني، تغير مستويات الدخل، الأسعار، التغير في الأذواق، ومعدلات إحلال المنازل القديمة بمنازل جديدة.

ويعد النمو السكاني أهم عامل يؤثر في نمو طلب الوحدات السكنية مستقبلاً, ومع أن تأثير هذا العامل كبير, إلا أنه بدأ يشهد بعض التراجع في السنوات الأخيرة، حيث تشير أحدث الإحصاءات إلى تراجع معدلات النمو السكاني في الفترة الأخيرة إلى نحو 2.3 في المائة سنوياً. ويرجع تراجع معدلات النمو السكاني إلى تأخر سن الزواج، والاستخدام المتزايد لوسائل تنظيم الأسرة، وتزايد معدلات العنوسة، وميل النساء بشكل متزايد إلى العمل، وارتفاع تكاليف تربية الأطفال، والتغيرات الثقافية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع. وإضافة إلى النمو السكاني، يتأثر الطلب على الوحدات السكنية ونوعيتها بنمو مستويات دخول العائلات. وارتفعت الدخول الاسمية لكثير من العائلات, لكن الدخول الحقيقية لم تتغير كثيراً. صحيح أن المملكة تمر بمرحلة نمو اقتصادي قوي إلا أن معدل نمو دخول الأفراد الحقيقي ضعيف خلال السنوات الماضية، وليس من المتوقع أن يحدث تأثيرات إيجابية في طلب الوحدات السكنية مستقلاً. وستؤثر بعض الظواهر السلبية المزمنة في مستويات الطلب، فارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وتدني أجورهم سيخفضان من مستويات طلب هذه الفئة على الوحدات السكنية مستقبلاً، وما لم تنخفض معدلات البطالة وترتفع الأجور فإن إمكانية نمو طلب الشباب على الوحدات السكنية ضئيلة. ويأمل كثير من ملاك العقار ومشتريه تحسن الأوضاع القانونية لتمويل العقار لرفع قدرة المشترين على شراء العقار. وسيقود هذا التحسن إلى تعزيز نمو الطلب على العقار إلا أن ارتفاع أسعار العقار في الفترة الأخيرة ألغى معظم المكاسب المرجوة من إقرار أنظمة تشجيع بيع العقار مثل نظام الرهن العقاري، وألغى كذلك آثار التحسنات الاسمية للدخول على الطلب. أما تأثير تغير الأذواق المرتبطة بالسكن فيتطلب فترة طويلة بسبب ارتفاع تكاليف السكن، كما لا يبدو أن هناك تغيرات جوهرية في أذواق المستهلكين تقود إلى تغيرات كبيرة في حجم الطلب على المساكن. ويحتاج تأثير تغير الأذواق في طلب المساكن إلى فترة زمنية طويلة كي يكون ملموساً وظاهراً للعيان.

ويمثل التغير في السياسات الحكومية المتعلقة بالسكن واستحداث برامج لدعم شراء الوحدات السكنية مصدراً محتملاً لنمو الطلب على الوحدات السكنية. لكن ليس من المتوقع أن يطرأ تغير كبير ومؤثر في هذا الإطار إلا إذا نشأت أزمة سكن حادة. أما الطلب الذي ينشأ عن النمو في إحلال الوحدات القديمة, فلا أعتقد أنه سيتصاعد بسبب ميل كثير من ملاك الوحدات القديمة إلى ترميمها، أو بيعها، أو تأجيرها للغير، إضافة إلى أن معظم الوحدات السكنية القائمة في المملكة حديثة نسبياً ويمكن الاستمرار في الاستفادة منها لسنوات مقبلة.

وباختصار شديد, ينحصر مصدر نمو الطلب على الوحدات السكنية وبشكل رئيس في النمو السكاني, أو على الأصح نمو عدد الأسر. وأعتقد أن نسبة نمو الطلب الكلي على الوحدات السكنية في المملكة ستكون قريبة من معدلاتها التاريخية البالغة نحو 3 في المائة سنوياً، وقد ترتفع قليلاً أو تنخفض قليلاً بسبب تغيرات العوامل المؤثرة في الطلب, مثل الدخل. وقياساً على معدلات نمو عدد المساكن خلال الـ 20 عاماً الماضية وعدد الأسر الموجودة في الوقت الحالي البالغ نحو 4.5 مليون أسرة، فإن حجم الطلب السنوي على مساكن جديدة يبلغ نحو 135 ألف وحدة سكنية وقد يزيد قليلاً أو ينخفض قليلاً, لكنه – في اعتقادي – لن يتجاوز بأي حال من الأحوال 150 ألف وحدة سكنية في هذه السنة وعند مستويات الدخول والأسعار الحالية.

* صحيفة الرياض

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك