|

الغلاء .. الغلاء يا وزارة التجارة!

Share |

د. أمين الساعاتي الغلاء وزارة التجارةد. أمين الساعاتي

إن الخناقة التي اشتعلت بين وزارة التجارة والصناعة وبين هيئة حماية المستهلك يجب أن تتوقف فورا؛ لأن المتضرر الوحيد من هذا الاشتباك هم المواطنون من محدودي الدخل الذين افترسهم غول التضخم؛ ويجب أن يسعى الطرفان المشتبكان إلى المصالحة والبحث فورا عن حلول موضوعية عاجلة يستفيد منها المواطن الذي من أجله صدر الأمر الملكي بتأسيس هيئة حماية المستهلك.

وبالأمس حذر صندوق النقد الدولي حكومة المملكة العربية السعودية من تعرض الأسواق السعودية إلى زيادة في الأسعار ترتفع بمؤشر التضخم إلى 6 في المائة؛ وطالب الصندوق من السلطات المختصة عن السياسة النقدية والسياسة المالية بضرورة مراقبة الأسباب التي أدت إلى ارتفاع الأسعار؛ وضرورة اتخاذ التدابير الاستباقية للحيلولة دون ارتفاع مؤشر التضخم لأعلى من 6 في المائة.

وذكر الصندوق في الروشتة التي خص بها المسؤولين في المملكة العربية السعودية بأنه ينبغي في المدى المتوسط أن تركز السياسات المالية على الحفاظ على قوة الوضع المالي وضمان تحقيق نمو واسع النطاق وخلق المزيد من الوظائف؛ وفى الوقت نفسه طمأن الصندوق المسؤولين في المملكة بأن الناتج المحلى الإجمالي في عام 2011 سيصل إلى 6 في المائة تقريبا؛ بل أوضح تقرير المشاورات الذي يصدره الصندوق دوريا أن المملكة حققت على مدار العقود القليلة الماضية إنجازات هائلة في مؤشرات التنمية الاجتماعية التي تقترب في الوقت الحالي من المتوسطات في دول مجموعة العشرين.

ومن خلال تقارير صندوق النقد الدولي يبدو أن الصندوق يحاول أن يطمئن المسؤولين في المملكة إلى الوضع الاقتصادي المستقر؛ ولكن ما لا نستطيع أن نخفيه أن بعض التقارير التي يصدرها البنك لا تخلو من المجاملات أحيانا أو المبالغات في أحايين كثيرة.

ونحن إذا تابعنا التقارير التي تصدر عن صندوق النقد الدولي في بحر عام 2010 نلاحظ أن التقارير لا تعبر عن الواقع، وأن أرقام الصندوق تذهب بعيدا عن الأرقام التي تسجلها الأسواق العالمية، وأنها لا تخلو من المبالغات والأخطاء المقصودة وغير المقصودة.

والمؤلم أن التجار في دول الخليج لا يقدرون ظروف الشريحة الأكبر من محدودي الدخل، وإنما ينتهزون الظروف الصعبة ويتسابقون إلى زيادات مضاعفة في أسعار السلع والخدمات.

وإزاء الزيادة في الأسعار واحتمالات المزيد من الزيادات، فإن المواطن السعودي المغلوب على أمره ليس أمامه إلا أن يستغيث بوزارة التجارة والصناعة وهيئة حماية المستهلك لحمايته من غول الأسعار والقيام بوظيفة ”تحطيم الأسعار تحطيماً!”.

ولكن في ذاكرة التجارب السابقة فشلت وزارة التجارة، ثم وزارة التجارة والصناعة في مواجهة موجات ارتفاعات الأسعار وكبح جماحها؛ ولذلك فإن التقارير التي صدرت أخيرا عن مراكز الأبحاث تتوقع استمرار الزيادة في ارتفاعات الأسعار خلال هذا العام 2011 والعام الذي يليه 2012.

والمطلوب من وزارة التجارة والصناعة ممارسة كل قوتها للحيلولة دون استمرار الزيادة في الأسعار؛ لأن الزيادة في الأسعار ستزيد من معدلات التضخم وتلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد الوطني.

والمطلوب بإلحاح من هيئة حماية المستهلك أن تثبت وجودها وتؤكد للقيادة حضورها الفاعل في حل مشكلة الأسعار المجنونة التي أوقعت محدودي الدخل في مشكلات اقتصادية واجتماعية لا تعد ولا تحصى، ونذكر – على سبيل المثال – أن من حق هيئة حماية المستهلك أن تقدم الشركات أو المصانع أو التجار المغالين في الأسعار إلى المحاكم وتسعى للحصول على أحكام تعاقب كل من تسول له نفسه المغالاة في الأسعار والعبث بقوت الناس، وهيئة حماية المستهلك مخولة بموجب نظامها الذي صدر بمرسوم ملكي بممارسة حقوق الدفاع عن المستهلك بكل الوسائل الشرعية المشروعة.

إن الدفاع عن حقوق المجتمع المدني هو أهم الوظائف التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني، وبالذات في مسألة ذات شأن كبير كمسألة الغلو في الأسعار وفضح البيوت المستورة بغير وجه حق..

وبالنسبة للجهات التي لها وظيفة رقابية فإننا نرجو أن نرى لها دورا إيجابيا لمنع ارتفاعات الأسعار في السوق السعودية، ولا سيما أن المليك المفدى أصدر أمرا بتأمين 500 وظيفة رقابية شاغرة لوزارة التجارة، ونحو ستين وظيفة شاغرة لديوان المراقبة العامة، وإذا كانت السوق العالمية، وبالتالي المحلية ستشهد في الشهور القليلة القادمة، إن لم يكن في الأيام القليلة القادمة، موجات من حمى ارتفاعات الأسعار في كل السلع والخدمات، فإن أجهزة الرقابة في السعودية يجب أن تستعد لمواجهة شرسة مع الغلاء الذي إذا ترك فإنه سيلحق أضرارا فاتكة في الاقتصاد الوطني ويؤثر بقوة في الشرائح الفقيرة للمجتمع.

ونحسب أن إنزال كل وسائل الردع لكل من تسول له نفسه الإضرار بالاقتصاد الوطني هو من أهم أسباب تأديب الجشع في بعض التجار الذين ينتهزون الفرص ويمارسون سياسة رفع الأسعار بغرض استغلال الأزمات لتحقيق أرباح انتهازية تلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد الوطني، ولكن إذا كان الردع بالنشر مهم لمنع التجار من زيادة الأسعار، فإن الثناء بالنشر لكل التجار الذين قابلوا ارتفاعات الأسعار بتثبيت الأسعار وممارسة أقصى درجات النزاهة والشفافية أمر ضروري للغاية.

ومن ناحيتهم، فإن بعض المفكرين الاقتصاديين ينادون بتأسيس مؤشر مستقل لأسعار الواردات بغرض ضبط وقياس التضخم الخارجي حتى لا يتحجج بعض التجار بأن الزيادة في الأسعار هي زيادة وافدة إلى السوق السعودية وليست نابعة من السوق، ونعرف جميعا بأن المملكة ليست دولة صناعية وتستورد حاجاتها من الأسواق الخارجية بكميات كبيرة؛ ولذلك فإن أي زيادة في أسعار السلع المستوردة سوف تظهر في أسواق المملكة.

أعود مرة أخرى وأكرر بأن هيئة حماية المستهلك أمام اختبار جد مهم؛ ويجب عليها أن ترفع شعار ”نكون أو لا نكون”!

* صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك