|

البنوك السعودية

Share |

د. أحمد العيسىد. أحمد العيسى

    لست بخبير اقتصادي، ولكنني أتابع ما يجري من تطورات اقتصادية دولية، وأحاول أن أفهم العلاقة بين اقتصاد بلادي مع ما يجري من تحولات ضخمة على مستوى الاقتصاد الدولي. فبعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وانجراف العالم نحو المنظومة الرأسمالية بكل إيجابياتها وسلبياتها، كنا نتوقع ازدهاراً اقتصادياً عالمياً، واستقراراً مالياً على المستوى الدولي، ولكن الأزمات المالية أصبحت تطل برأسها علينا في كل عام تقريباً، فأصبحت ترقق بعضها بعضاً، فقبل عامين تقريباً عصفت بالعالم أزمة مالية كبرى، وها نحن نشهد اليوم أزمة مالية أخرى، تضعضع فيها مستوى التصنيف الائتماني للنظام المالي الأمريكي، وتواجه فيها منطقة اليورو أكبر تحد لها منذ إنشائها قبل أكثر من عشرة أعوام.

ولكننا في المملكة احتفلنا كثيراً بالمركز القوي للنظام المالي، ومحدودية تأثره بالأزمات المالية العالمية، نتيجة السياسات المحافظة التي تتبعها مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي)، ونتيجة ارتفاع معدلات السيولة المالية في البنوك نتيجة الصرف الحكومي وتحسن الدخل بعد ارتفاع أسعار النفط في العقد الأول من القرن الحالي.

ولكن في تقديري أن تلك السياسات المحافظة هي تعبير عن الإغراق في السلبية التي كانت نتائجها إيجابية هذه المرة. ولكنها لا تعني مطلقاً أن النظام المالي السعودي يعمل بشكل إيجابي في تنمية البلاد ودعم الاقتصاد إلى مزيد من التنوع ومزيد من الفرص ومزيد من النمو غير المعتمد على الصرف الحكومي.

أذكر أن أحد كبار الخبراء الاقتصاديين الذي يعمل في أحد البنوك المحلية قال لنا في محاضرة قبل عامين تقريباً إننا يجب أن نحتفل بإيجابية الاستقرار المالي، وشدد على أهمية الاستمرار في اتخاذ سياسات مالية محافظة، وكان يشير في المحاضرة إلى أن السعودية تعتبر من أقل الدول تأثراً بالأزمة المالية العالمية. فقلت له بعد المحاضرة، إن الركون إلى سياسات محافظة بشكل دائم هو مؤشر على السلبية وليس عنواناً على الحصافة. وقلت له أيضاً إنه إذا كانت السعودية تعتبر من أقل الدول تأثراً بالأزمة المالية العالمية، فأتوقع أن تكون من آخر الدول تعافيا منها، لأن السياسات المتحفظة لا تعني أنك تتحرك من مكانك، فتستفيد من الفرص وتعزز من الإمكانات. وقلت له إن المركز المالي القوي للبنوك السعودية لا يفيد البلد بشكل كبير إذا لم تتحرك تلك الأموال في دورة الاقتصاد.

ما أريد أن أقوله هنا، إن السياسات المالية المتحفظة التي تتبعها مؤسسة النقد، وتطبقها البنوك السعودية، لا تخدم البلاد بشكل جيد لتحقيق نمو اقتصادي متوازن يبعد البلاد عن الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، ويساهم في دعم المشاريع الاقتصادية التي تقوم على الأفكار غير التقليدية والتي يمكن أن تصب في مصلحة الجيل الجديد.

إن بنوكنا تقدم على طبق من ذهب كل الخدمات المالية لكبار المستثمرين، وكبار رجال الأعمال، وتتعامل بكل كبرياء وتعال على الشريحة الواسعة في المجتمع من المستثمرين الصغار أو الباحثين عن الخدمات غير التقليدية التي تجدها لدى البنوك العالمية.

وأعتقد أن بنوكنا العزيزة لن تغير من سياساتها وقناعاتها طالما أن الأموال تأتيها من غير عناء، وطالما أن أفراد المجتمع لا يرون في تلك البنوك سوى أنها خزائن كبيرة لحفظ الأموال، وجهاز صراف يسهل سحب الأموال منها متى ما أرادوا، وطالما أن البنوك استطاعت الالتفاف على المحاذير الشرعية بإيجاد وسائل لاصطياد الأموال “الحلال” بطرق لا تختلف عن الطرق التقليدية سوى في المسميات وصياغة العقود.

وحقيقة لا أعرف من يسيّر من، هل البنوك السعودية التي تضم في مجالس إداراتها كبار رجال الأعمال هي التي تؤثر بسياساتها ولوبياتها في مؤسسة النقد، أم العكس؟ فتكون مؤسسة النقد هي التي تفرض سياسات متحفظة على البنوك، وبالتالي تتخلى عن دورها المفترض في رسم سياسات متوازنة يستطيع المجتمع بكل فئاته الاستفادة من الفائض المالي الضخم الذي يقبع في سجلات البنوك، ولكن قد تستفيد منه دول ومؤسسات عالمية أخرى.

* صحيفة الرياض

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك