|

البطالة: داوها بالتي هي الداء

Share |

كتبه: عبدالحميد العمري

بالرغم من كل القرارات والسياسات التي عملت لأكثر من عقدين من الزمن لمواجهة أحد أكثر التحديات التنموية والاقتصادية المتمثلة في البطالة، إلا أن أي منها لم يفلح في التصدّي لاتساع رقعة العاطلين والعاطلات العمل، التي نواجه اليوم معدلات ارتفاعها بصورةٍ غير مسبوقة! فحسبما توضح أحدث الإحصاءات لعام 2009م فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب نحو 20.6 في المئة، فيما بلغ بين الفتيات نحو 60 في المئة، وبلغ الإجمالي نحو 29.1 في المئة، إنها أرقامٌ لافتة ليس فقط على مستوى التاريخ الاقتصادي المعاصر، بل حتى على مستوى اقتصادات العالم، وستكون لافتةً أكثر وأخطر إذا ما نظرنا إلى السمة اللافتة التي امتاز بها اقتصادنا، يتساءل المرء في مواجهتها: كيف أن اقتصادًا عملاقًا بحجم الاقتصاد السعودي، استطاع أن يستوعب أكثر من 6.3 ملايين عامل غير سعودي، تراه قد عجز عن استيعاب مخرجات التعليم ومعاهد التدريب المحلية، التي قد لا تتجاوز 500 ألف طالب وطالبة للعمل حسب تقديرات مراصد الجهات الرسمية المشرفة على سوق العمل.

تتلخص أبرز خصائص الفئة العاطلة عن العمل في صفوف السعوديين والسعوديات في الخصائص التالية:

  1. على مستوى تبويب العاطلين عن العمل وفقًا للعمر؛ تركز أغلبهم في الشريحة الشابة 20-34 بنحو 94 في المئة، التي تشير بجلاء إلى احتمالاتٍ بالغة الخطورة على مستوى المجتمع والاقتصاد، تمتد آثارها الخطرة اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا إلى ما لا قد يُحمد عقباه.
  2. على مستوى تبويب العاطلين عن العمل وفقًا للتعليم؛ فقد تركز أغلبهم في المراحل (الثانوي، الدبلوم، الجامعة) أي ما تمثل نسبته نحو 82.4 في المئة، وبالطبع فهذا يوضح الخطأ الفادح الذي قامت عليه أغلب تطبيقات سياسات السعودة، التي ركزت في طوال العقد الماضي على سعودة محلات التجزئة والليموزين بالدرجة الأولى، وقد تكون تلك المجالات مناسبة لمن هم أدنى تعليمًا وتأهيلاً من تلك الشريحة، ولكنا بالتأكيد لا يمكن أن ترتقي على الإطلاق لشريحة من الشباب والفتيات السعوديين، تم إنفاق مليارات الريالات على تعليمهم وتأهليهم.
  3. اكتظت سوق العمل السعودية بالعمالة الأجنبية المتدنية التعليم، حيث شكّل من لديه شهادة المتوسطة فما دون أكثر من 86 في المئة، ويكفي القول: إن من يقرأ ويكتب فقط يمثلون 62.4 في المئة، والأميين يمثلون نحو 15.6 في المئة، وبالطبع هذا يفسر انخفاض كفاءة الأداء الاقتصادي، ومدى الصعوبات المعقدة التي يواجهها في سياق سعيه لتحقيق النمو والتنمية المستدامة.
  4. كم هو لافت جدًا أن نعلم أن العاطلين عن العمل من حملة البكالوريوس يبلغون أكثر من 198.4 ألف عاطل وعاطلة! مقابل استيعاب القطاع الخاص من السعوديين لمن يحملون نفس المؤهل ما لا يتجاوز 76.5 ألف عامل سعودي فقط!، وفي المقابل تجد أن القطاع الخاص قد استوعب أكثر من 293.5 ألف عامل أجنبي! كيف استطاع القطاع الخاص استيعاب هذا العدد من الأجانب وعجز في ذات الوقت عن استيعاب العمالة الوطنية؟! وكذا الحال بالنسبة لحملة الدبلوم، قد يجيب قائلاً: إن أغلب تخصصات أولئك العاطلين عن العمل من المستوى الجامعي، قد لا تكون مناسبة لأنَّ تعمل في القطاع الخاص، أي أنه ليس في حاجة كخريجي العلوم الاجتماعية والنظرية، وهذا واحد من أكثر مناطق المعضلة تسممًا وتشوهًا وخطرًا لم نجد في الكثير من السياسات والمقترحات ما يعالجه بصورةٍ جذرية وعميقة.
  5. يواجه الاقتصاد السعودي بواقعه الراهن (ارتفاعًا لافتًا في العمالة الوافدة، ارتفاعًا لافتًا في العاطلين عن العمل من المواطنين والمواطنات)، أكثر أشكال الإهدار والتسرب الاقتصادي التي لا يمكن معها أن تتحقق أية خطوات إلى الأمام على طريق النمو والتنمية مهما قمنا به والحال بتلك الصورة، التي تشكلت أوجهه في التالي:
  • على مستوى الإهدار: يُعدُّ الإنفاق على سلك التعليم والتدريب والتنمية البشرية عمومًا واحدًا من أكثر أبواب الميزانية إنفاقًا، ولكنه بواقعه الراهن نراه يُنتج عاطلين عن العمل لا يجدون وظائف لعدة سنوات، وتقدر قيمة الإنفاق عليه للفترة 2005م-2015 بأكثر من 1.7 تريليون ريال!
  • على مستوى التسرب الاقتصادي: فهو يتمثل في التحويلات التي يقوم بها غير السعوديين لبلدانهم، التي وصلت خلال عام 2009 لأكثر من 99 مليار ريال (أكثر من 12 في المئة من حجم الاقتصاد، وهي من أعلى النسب في العالم)، علمًا أن متحصلاتهم من الأجور للعام كاملاً بالكاد تجاوزت 57 مليار ريال، هذا الفارق في الدخل يؤكد تعمق تعاملات الاقتصاد الرمادي (الأنشطة الاقتصادية التي لا تسجلها أدوات الإحصاء الرسمية) في الاقتصاد الكلي.

إننا ونحن أمام معضلة كأداء كالبطالة، ووفقًا لأبرز ملامحها الموضحة أعلاه، فإننا أمام مشكلة اقتصادية بحتة!
ولذا فعلاجها أو المنهج الذي يجب انتهاجه من أجل معالجتها جذريًا في منظور قد لا يتجاوز 3 إلى 5 سنوات على أحسن تقدير، وأؤكد أنه يجب أن ينطلق من أرضياتٍ اقتصادية بحتة ولا أكثر ولا أقل من ذلك. ولعل أهم خطوة يمكن أن أضيفها هنا إلى سلة الحلول التي اقترحها الكثير من المهتمين في هذا الصدد، لكيلا نكرر ما طرحوه التي لم تجد حتى الآن بأي تقدّم على سطح حل المشكلة من جذورها، أن سهولة لجوء قطاع الأعمال للاستقدام من الخارج متى شاء، وبالتكلفة التي يشاء، تظل واحدة من أخطر جوانب القضية!

في المقابل؛ يمثل عدم تجانس مخرجات التعليم مع متطلبات القطاع الخاص مشكلة أكبر من سابقتها، وهذه أيضًا بكل أسف لم يتم التعامل معها بصورةٍ جادة حتى الآن.

لعل من أهم خطوات الحلول المقترحة هنا هو فرض ضريبة على القطاع الخاص حسب الأجر المدفوع لكل عامل يعمل فيه، وتشبه معالجة وتطبيق هذه الضريبة نفس معالجة استقطاع (مبلغ التقاعد) على العاملين السعوديين، مع الإشارة إلى أهمية استقطاع هذه الضريبة من الشركة والمؤسسة لا العامل المقيم، وقد يكون مناسبًا أن تدفع الجهة صاحبة العمل ما نسبته 10 في المئة، وهي قريبة جدًا من نسبة التقاعد التي تدفعها الجهة صاحبة العمل للتأمينات الاجتماعية. ويتم تحصيل مبالغ هذه الضريبة لتأسيس صندوق (معالجة البطالة)، الذي سيهتم بإعادة تأهيل وتدريب المواطنين والمواطنات الذين لم تؤهلهم شهاداتهم للحصول على وظائف القطاع الخاص، الذي سيقوم أيضًا بدفع (إعانات البطالة) للعاطلين والعاطلات عن العمل إلى أن يجدوا وظائف.

إنه حلٌ مهمٌ جدًا كونه:
(1) سيسهم في رفع تكلفة العامل الأجنبي من جهة.
(2) سيسهم في تحسين مؤهلات وخبرات وقدرات الباحثين عن عمل من السعوديين.
(3) الإعانات الممنوحة للعاطلين ستحد من أية آثار سلبية محتملة على المستوى الأمني والاجتماعي.

*صحيفة الجزيرة السعودية

الوسوم: , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك