|

إشكالية الصندوق العقاري.. مقاول لكل بيت

Share |

م.حمد اللحيدانكتبه: م. حمد اللحيدان

تأسس صندوق التنمية العقارية بموجب مرسوم ملكي في عام 1395، وذلك بهدف تقديم القروض للأفراد والمؤسسات لإقامة مشروعات عقارية للاستخدام الخاص أو الاستخدام التجاري، ومنذ أن شرع في تقديم تلك القروض قامت حركة تجارية كبرى في جميع مناطق المملكة، ذلك أن العدد المهول من تلك القروض أسهم في إنشاء نشاطات تجارية مختلفة في جميع مناطق المملكة، وتعد تلك الخطوة في منح الأفراد قروضا تمتد إلى 25 عاما كفيلة بأن تدير معها عجلة التنمية في أرجاء المملكة.

والآن وبعد أكثر من 35 عاما من بداية هذا النشاط الكبير هل يمكن لنا أن نراجع تلك الخطوة وننظر في الأثر الذي حدث ونقيم ذلك الأداء الذي تم في مدن المملكة، وما إيجابيات تلك التجربة؟ وما السلبيات؟ وكيف لنا أن نعظم الإيجابيات في تلك التجربة؟ وكيف لنا أن نقلل من سلبياتها؟ وهل يمكن لنا أن ننقل تجارب الكثيرين ممن حصلوا على تلك القروض؟ وما مشاكلهم؟ وهل هم مقتنعون بما حصلوا عليه؟ أم أنه كان بوابة لهم لدخول نشاطات غير ما هم عليه من أعمال وذلك بسبب إغرائهم بدخوله؟

أسئلة كثيرة تطرح كمراجعات لأداء الصندوق الممتد عبر ثلاثة عقود لندرك أن النشاط التجاري الذي حدث هو في أعظم الاقتصاديات التي تتم في الدول وهو قطاع الإنشاءات، الذي تتحرك معه عجلة المصانع والمواد الخام والمقاولات واستقدام العمالة، ولذا كان الحدث الذي أحدثه الصندوق منذ بدئه حركة تنموية كبيرة في جلب تلك المواد والمصانع والعمالة، ولكن الشيء الذي ندركه أن النشاط الهندسي الذي كان يرافق ذلك العمل كان أصغر من أي نشاط، ولذا أخذت المكاتب تنسخ المخططات في مسعى لسد ذلك العجز في التصميم وشاركت في ذلك الأمانات، حيث وضعت مخططات نموذجية لتساعد الأفراد على الحصول على القرض بشكل سريع وهو ما فاقم المشكلة دون مراجعة تامة لأداء ذلك الصندوق.

إن ذلك النشاط أجبر الكثير ممن كانوا خارجه إلى أن يخوضوا غمار التجربة، وفي هذا الصدد ذكر لي أحد الزملاء وهو طبيب تجربته المريرة مع المقاول الذي أوكل إليه العمل وكيف أنه بعد أن تأخر العمل لم يستطع أن يبقي ذلك المقاول، ولذا بدأ هو بعمل المقاول وملاحقة العمالة في بيوتهم وكيف أنه بدأ يتحدث لغة (البطحاء) (أنت فيه شغل كويس أنا يعطي فلوس كتير) وهو الطبيب في عيادته، وحتى أنه ذكر أنه ومن خلال تعايشه مع تلك العمالة والذهاب إلى مساكنهم أصبح لسانه مرنا بهذه اللغة وبدأ يحذر أن يتكلم تلك اللغة مع مرضاه، إلى انتهت معاناته في انتهاء المنزل الذي يسكنه بعد أن تعطل عمله أكثر من عام وهو في ملاحقة عمالة تتفنن في تأخير العمل وتعطيله، وهو يدرك تماما أن ذلك لم يكن هو الحل المثالي، ولكن إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا .. فما حيلة المضطر إلا ركوبها.

إن إعطاء الأفراد مبالغ ودخولهم معترك البناء هو ما أوقعهم فرائس سانحة للدخلاء ممن تحولوا إلى مقاولين لأننا نبني بشكل منفرد وفي أماكن مختلفة ولا يمكن لمقاول مصنف أن يأخذ مثل هذه المشاريع بحال، ولكن أصبحت من نصيب من استقدمناهم من العمالة وغيرهم فأصبحوا مقاولين ليصنعوا عقود مقاولات من صفحة واحدة أو صفحتين وهي مجازفة في أن تضيع تلك المبالغ بعد أشهر من صياغة ذلك العقد الذي لا يمكن أن يكون عقدا لملحق، فضلا أن يكون لمبنى، ولذلك يعاني الكثير ممن أعطوا هذا المبلغ ولم يعط معه أي أسس يبنى عليها هذا السكن من هذا السوق المفتوح وغير المنظم، ويظن كثير من الأفراد الذين أتيحت لهم تلك الفرصة أنه لابد أن يتعلم أبجديات المقاولات ويعرف كنهها فتجد أفرادا تعلموا أنواع الخرسانة وأقطار الحديد، وكم منها يوضع في العمود, وأصبحت خبرتهم في تفاصيل التفاصيل وكأنهم معنيون بها وهو إغراء يدفع بعضهم إلى أن يشمر عن ساعديه ويبدأ بترك مهنته ليصبح مقاولا فكأن هدف الصندوق هو إضافة مقاولين لمعادلة التنمية بدلا من إضافة مسكن للأفراد.

فهل هذا هو مطلب الصندوق؟ بالتأكيد لا أظن ذلك أبدا، بل إن الدولة صرفت مبالغ كبيرة لتخريج ذلك الأستاذ الجامعي والطبيب والموظف كي يسد ذلك الفراغ في عمله وينتج في جامعته ومستشفاه ووظيفته، وليس هدفا أيضا أن تبنى مصانع لا تخدم إلا عمالة ولا أن تجلب مواد العالم إلى المملكة ولا أن يدخل معترك ذلك النشاط ويأتيه من غباره أي فرد لا يحسن أداءه. ولذا فإن المشكلة ستظل قائمة مع استمرار التدفق المالي للصندوق، ولا يظن أحد أنني بهذا أطالب بإيقاف ذلك الصرف بل إن المطلب هو مراجعة ذلك العطاء لكي يقع موقعه ويستفيد كل أحد منه دون عناء ومشقة.

ولذا فإني أرى أن يبادر في تقييم أداء ذلك الصندوق وأن توضع بدائل لبناء المساكن بشكلها الحالي إذ هي التي أنتجت آلاف الورش التي تحاول جاهدة أن تغطي ذلك الطلب على نوافذ وأبواب وأرضيات، كما جلبت ملايين الأمتار من السيراميك والرخام وغيرها وملايين الأدوات الصحية والكهربائية والميكانيكية التي تملأ شوارع الثلاثين من كل مدينة وأتي بعمالة مليونية من شتى بقاع الأرض ولا بد من أن تقيم تلك النشاطات وإلا سيصبح لدينا بعد فترة من الزمن مقاول لكل بيت!

*صحيفة الاقتصادية

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك