|

أين الحقيقة يا وزارة المالية والاقتصاد؟

Share |

محمد المختار الفالمحمد المختار الفال

يتوقع محللون اقتصاديون أن يواصل التضخم ارتفاعه مع دخول العالم نفق الاقتصاد الأميركي الذي يهدد تراجعه الاقتصاد العالمي بانكماش ستصل برودته إلى الجهاز التنفسي لكل اقتصادات الدول مهما أنجزت الاقتصادات الصاعدة، في الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وسعيها إلى أن تضخ الدفء في شرايين الاقتصادات التابعة.

ومن يتابع الحوارات والنقاشات الدائرة خلال الأسابيع الماضية ويرصد حال التشاؤم التي تجتاح اقتصادات الدول الصغيرة غير المتقدمة يدرك مساحة القلق وأسباب التوتر.. فالدين الأميركي والمشاكل الأوروبية المتنامية يهددان الاقتصاد ويعرضانه إلى حلقة من الانكماش مرشحة أن تستمر لعدة سنوات.ويعتقد بعض المحللين أن المخاطر تزداد لدى أصحاب العملات المرتبطة بالدولار الأميركي الذي يفقد قيمته وقوته أمام العملات الأخرى لأن ذلك يؤدي، بالضرورة، إلى تراجع القوة الشرائية لتلك العملات.. والريال السعودي من العملات المرتبطة بالدولار وهناك اجتهاد، وهو السائد في دائرة اتخاذ القرار الاقتصادي في البلاد، يرى أن من المصلحة استمرار هذا الربط.. لكن الفهم السطحي المباشر يرى أن تراجع القوة الشرائية للريال تعني– ببساطة – ارتفاع تكاليف فاتورة الاستيراد. أي أن الأسعار ستستمر في الارتفاع وأن التضخم سيجاريها. ويزداد الخوف العام حين نفكر في مصير أكثر من (450) مليار دولار من الأموال السعودية في سندات الخزينة الأميركية فهل هذا يضاعف المخاطر ويزيد من المتاعب المتوقعة؟

وفي ظل هذا التوجس والترقب، نشطت المواقع الإلكترونية والمجموعات البريدية الخاصة في تداول بعض المعلومات القديمة والحديثة المتعلقة بالفقر والبطالة ودخل الفرد و ارتفاع الأسعار. وهي قضايا تمس غالبية المجتمع ويزداد الاهتمام بها ومناقشتها في هذه الظروف. ويلاحظ أن المناقشة لا تقتصر على أصحاب الاختصاص بل الكل يدلي برأيه ويجتهد في البحث عن الأسباب التي أوصلت الحال إلى ما هي عليه. وينتهي الكثير من هذه “الاجتهادات” الانطباعية، في غالبها، إلى تحميل الجهات الرسمية مسؤولية الإخفاق في معالجة القضايا الملحة على حياة الناس وأن الاستمرار في السياسات المتبعة لن يقدم حلولا لمواجهة ما يشتكي منه الاقتصاد.. وفي الأرقام والإحصاءات المتداولة، هذه الأيام، ما يثير القلق ويزيد التوجس والخوف من المستقبل إذ تشير إلى أن نسبة الفقر بين السعوديين تجاوزت 22% (ويبدو أن هذا الرقم مرشح للزيادة). وهذا معناه أن أكثر من ثلاثة ملايين سعودي يعيشون تحت خط الفقر. فأين وصلت استراتيجية محاربة الفقر التي تتبناها الدولة وترصد لها المليارات؟ وماذا تم في أموال صندوق محاربة الفقر الذي أمر خادم الحرمين بإنشائه منذ سنوات؟ (الشورى وجه انتقادات لاذعة لأعمال وزارة الشؤون الاجتماعية في إحدى جلساته 26 /10 /2010م).

وإذا كان الفقر يؤذي شريحة كبيرة من المواطنين ويؤكد تعثر خطط التنمية وعدم نجاحها في تحقيق الرخاء الذي هو الهدف الرئيس الذي سعت له الدولة وسخرت الموارد من أجله فإن الخطر الحقيقي هو البطالة التي تجاوزت 10% بين الجنسين و أكثر من 28% بين النساء (78% من العاطلات من حملة الدرجة الجامعية). وقضية البطالة خطر حقيقي يهدد أمن المجتمع واستقراره. وإذا كان البعض لم يشعر بوطأته على الشباب ولا يحس بتأثيراته السلبية فإن “حرائقه” إذا اشتعلت، لا سمح الله، لن يسلم منها أحد وسيكون ضررها كبيرا خاصة على أصحاب الأموال الذين لا ينظرون إليها، الآن، إلا من زاوية “الربح والخسارة” الضيقة التي تقف عند مقارنة تكلفة العامل السعودي مع تكلفة العامل الوافد. وتشير الأرقام والآراء المتداولة إلى أن 60% من السعوديين لا يملكون منازل وأن هذه النسبة ضعيفة مقارنة بما هو سائد في الدول المتقدمة التي تتراوح فيها النسبة ما بين 20 – 40%. وأن 89% من السعوديين العاملين في القطاعين الحكومي والأهلي مقترضون من البنوك.. وأن غالبية هذه القروض تصنف ضمن القروض الاستهلاكية. ومع هذه (المزعجات) يأتي أصحاب الأرقام والإحصاءات والمقارنات ليذكرونا بأن متوسط دخل الفرد السعودي بلغ 16 ألف دولار، وهو الأقل بين دول مجلس التعاون الخليجي (إحصاءات عام 2011م)، إذ تأتي قطر في مقدمتها بمتوسط دخل 81963 دولارا تليها الإمارات بمتوسط 49995 دولارا وتأتي الكويت في المرتبة الثالثة بمتوسط دخل 37451 دولارا ثم عمان بدخل سنوي 21097 دولارا والبحرين بمتوسط دخل 20332 دولارا.

والسؤال الملح في هذا الظرف: أين مؤسسة النقد العربي السعودي و وزارة المالية ووزارة الاقتصاد الوطني من هذا الذي يحدث ويتداوله الناس ويقلق حياتهم؟ ماذا أعدت من ترتيبات وخطط واحتياطات للمستقبل؟.. وإذا كانت لديها حقائق وتطمينات أو تحذيرات لماذا لا تواجه الرأي العام بها حتى تضعه في الصورة وتساعد المهتمين على فهم الحقائق والاستعداد لها بدلاً من الانتظار أو الوقوع في أخطاء التخمينات وهواجس الإشاعات غير المستندة إلى معلومات دقيقة؟.

بصراحة الناس ملت التكتم وافتراض أنها لا تفهم وأن قضايا الاقتصاد والسياسات المالية واستثمار ممتلكات الأجيال من ثروة بلادهم ليس من شأنهم لأنها من اختصاص (الكبار) وليس (للصغار) شأن بها، ولا يجب أن يتدخلوا في ما لا يعنيهم.. لا أعتقد أن هذا رأي مؤسسة النقد ولا وزارة الاقتصاد الوطني ووزارة المالية، لكن لسان الحال يكاد يصرح بذلك.. ولهذا يحسن أن تبادر هذه الجهات إلى مصارحة الرأي العام بالوقائع وكشف الحقائق وبسط المعلومات للناس مع الشرح والتوضيح والتعليل حتى لا يظن بهم أنهم لا يلقون بالاً لرأي أحد. الناس تتطلع إلى سماع ما يوضح الحقائق ويسلط الضوء على الواقع واحتمالات المستقبل ضمن سياسة الشفافية والصراحة التي يتبناها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله – حفظه الله – فهو يدعو إلى فتح الأبواب وإطلاع المواطنين على ما يجري من حولهم ودعوتهم وتشجيعهم على المشاركة في إدارة شؤون حياتهم وهذا لا يتحقق أو يتم بصورة إيجابية تستثمر قوى الوطن إلا إذا عرفوا الواقع وتفاعلوا معه.. ومن أهم ما تدعو الحاجة إلى معرفته مستقبل الأجيال وكيف تدار ثروة الوطن والمهددات التي تواجهها والبدائل المطروحة لتقليل المخاطر.. والجميع مسؤولون عن هذا لأن الكل يتأثر سلباً وإيجاباً بما يحدث. فهل نرى شيئا من هذا في الوقت المناسب؟

* صحيفة الوطن السعودية

الوسوم: , , , , , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك