|

أغنياء… ليس كلهم أغبياء

Share |

كتبه: عقل العقل

وصفت الصحافة الفرنسية في الآونة الأخيرة بعض الأثرياء الخليجيين «بالأغنياء الأغبياء»، بعد عدد من التصرفات التي قام بها بعض هؤلاء الأثرياء العرب، إذ قدم احدهم مبلغ 100 ألف دولار لعامل نظافة فرنسي وجده أمام منزله في إحدى ضواحي مدينة نيس الفرنسية، ويبدو أن هذا الثري يهتم بنظافة الأماكن التي يعيش فيها وقد يكون مسكوناً بحال الخوف من عدم النظافة، ولكن هذه الحال تعتريه فقط عندما يغادر حدود بلده، وحتى لا نظلمه فإن الشارع الذي يسكنه في بلده لا يحتاج إلى عمال نظافة لأنه يتغير كل يوم جراء أعمال الحفر والردم المستمرة في شوارعنا منذ سنوات، إضافة إلى ان هذا الرجل لا يصحو من النوم إلا متأخراً جداً بعد ان يكون عمال النظافة المساكين قد ذهبوا إلى منازلهم.

لو كانت القضية هي رحمة بهؤلاء العمال الذين يقدمون وظيفة مهمة في جميع دول العالم فإنهم في دولنا يشبهون الطيور المهاجرة من ضعفهم وانكسارهم، إذ يستحقون المساعدة أكثر من ذلك العامل الفرنسي الذي يتقاضي أجراً ومكانة عالية في مجتمعه، ولكن يبدو ان بعض أثريائنا مصممون على التحاور والانغماس والتأثير في تلك المجتمعات بطريقتهم الخاصة، ولكن هذا ليس من حقهم، لأن ذلك يؤكد الصورة النمطية عن العرب وأهل الخليج، خصوصاً أنهم فقط يملكون المال والنفط وأنهم لا يقدمون للعالم إلا مثل هذه السلوكيات التي تنتظرها بعض وسائل الإعلام المغرضة، وهي في الحقيقة لا تلام على تضخيم مثل هذه الصور السلبية عن ثقافتنا ومجتمعاتنا الإنسانية.

أما الثري الخليجي الثاني فقد قدم 700 ألف يورو إلى بلدية مدينة «طنون لوبان» الفرنسية من اجل تحسين حديقة في تلك المدينة ما أذهل عمدة البلدية الذي لم يتوقع مثل هذا المبلغ الضخم، ونحن بدورنا نشارك العمدة الفرنسي هذا الاستغراب من هذا الكرم غير المبرر، ولكن قد يبرر ذلك حب هذا الثري للحدائق والزهور التي قد يكون افتقدها في مدينته أو قريته في وطنه الخليجي، فلو فكر لحظة باستغلال هذا المبلغ في تقديم خدمة لمجتمعه المحلي لكان أجدر به ان يتذكر اسمه في بلاده، فلو فرضنا ان المواطنة لدى هذا الثري في درجة عالية لأقام مشاريع اجتماعية بسيطة في الحي الذي يقطن فيه في مدينته الخليجية التي ينقصها الكثير من الخدمات، فمثلاً قد يكون إنشاء مركز صحي بسيط يقدم الخدمات الأولية لأهالي الحي أو مراكز تدريب للفتيات أو ملاعب رياضية للشباب الذين تغص بهم شوارعنا هذه الأيام وهم يقلبونها إلى ملاعب رياضية، أما كان أولى بتلك الأموال ان تذهب إلى مجتمعه وان تحمل اسمه واسم عائلته لعقود مقبلة، ولكنه الجهل الذي يعشش في عقول البعض من ابناء جلدتنا.

أما الثري الخليجي الثالث فقد قدم 500 ألف دولار فقط لصاحب مخبز كاد يقفل مخبزه في المنطقة المجاورة لمنزل هذا الثري في ضواحي باريس عطفاً على ذلك الفرنسي، ويبدو ان صاحبنا أدمن على خبز ذلك الفرنسي ولم يتخيل الا يجده بجوار منزله ولو فكر لثوانٍ لوجد عشرات المخابز في الحي الذي يقطنه ولكن اللعنة على طريقة تفكير صاحبنا الذي لا يشاهد في الحي إلا ذلك المخبز وصاحبه المحظوظ. هل نقول له أين أنت من دعم مخابز التميس التي يرثى للعاملين فيها من شدة الحرارة المنبعثة من جوف تلك المخابز، إضافة إلى حرارة الصيف اللاهبة في منطقتنا هذا الصيف؟!

يوجد لدينا في الخليج الكثير من رجال الأعمال الذين يقدمون الأموال والمساعدات لمجتمعاتهم سواء بإنشاء المستشفيات والكليات والمراكز الاجتماعية، إضافة إلى المساعدة بتوظيف المواطنين والمواطنات بعد تدريبهم في برامج جادة تضمن تأهيلهم لسوق العمل، وأعتقد ان الشعور بالمسؤولية الاجتماعية من أصحاب الملايين تجاه مجتمعاتهم لها علاقة بكيفية تكوين ثرواتهم وممالكهم التجارية، فمن عمل من الصفر وتعرض للتجارب المريرة في عمله فإنه يقدر المادة ويعرف كيفية إنفاقها بالطرق الايجابية، ولكن بعض هؤلاء نزلت عليه الثروات الهائلة وهم لم يبذلوا أي مجهود حقيقي، كما هي الحال في تجارة الوكالات للشركات العالمية، الذين يمصون الشعوب من دون أي ضرائب من دولنا. توجد صور نمطية عن العرب وأهل الخليج في وسائل الإعلام الغربية منذ زمن بعيد، خصوصاً مع اكتشاف النفط ولكن يجب الاعتراف بأن هناك جهوداً كثيرة بذلت وتبذل من الحكومات الخليجية، ومن مؤسسات المجتمع المدني، ومن مثقفين وأدباء لتقديم الصورة الحقيقية لمجتمعاتنا، وأننا مثل أي مجتمع في العالم فهناك، وهم الغالبية في مجتمعنا، من يعملون ويشقون ويتعلمون لبناء مجتمعاتهم ويقدمونها بطريقة حضارية إلا ان مثل هؤلاء القلة لا تمثل إلا نفسها وفكرها السطحي.

* صحيفة الحياة السعودية

الوسوم: , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك