|

«السأسأة»

Share |

محمد الياميكتبه: محمد اليامي

إجمالاً نحن بعيدون عن ثقافة الادخار، وفي محكيتنا تستخدم لفظة التوفير كناية عن خفض النفقات، وهي تأتي بمعنى الادخار، ومعانيها واضحة، لكن ما اكتشفته، أن لدينا حساسية من هذه الكلمة ومشتقاتها، خصوصاً فعل الأمر «وفّر»، وصيغة «السأسأة» منها أي كلمة «ستوفر»، وللعلم والتوثيق وتوفير أجور المحامين أسجل مصطلح «السأسأة» باسمي موثقاً في جريدة الحياة.

هذه الحساسية أنتجت رد فعل عكسي، وباللغة العصبية أطلقت قوساً انعكاسية فبات سماع كلمة التوفير مرادفاً للانفاق، ومن يعدك بتوفير شيء غالباً ما يقصد العكس، فالدعاية لمنتج أو سوق أو ماركة، تقول: «وفّر الآن» وهي تقصد تعال إلينا وانفق الآن ما تحتاج إليه، لتشتر ما لا تحتاج إليه، والنتيجة ذكرها المثل العربي بأنك ستبيع يوماً ما تحتاج إليه.

وعندما تقول حرمكم المصون «وفّر على نفسك التعب» فتحسس جيبك لأن ما سيليه هو إنفاق مقابل الراحة التي ستحصل عليها من توفير التعب المفترض، لأنها تنقل إليك تجربة جاهزة غالباً ما ستتبعها حتى لو اكتشفت أن طريقتك في الحياة والانفاق والتسوق والتأثيث وشراء السيارات تختلف عن طريقة الأقارب والجيران.

عند إعلان إنشاء شركة جديدة، أو منح ترخيص جديد، أو قدوم مستثمر أجنبي «مملوح» يبادر من يصرح أو يعلن بالقول إن هذه الخطوة، الواثقة التي تمشي ملكة على طريق التنمية، هذه الخطوة ستوفّر كذا ألف وظيفة، وفي رواية أخرى كذا مئة ألف وظيفة، فعليك الانتباه لأن المقصود هو توفير هذا العدد من تأشيرات الاستقدام، والسبب أنه لا يوجد سعوديين لديهم المؤهلات والتدريب، ثم إن مخرجات التعليم «يا أخي» لا تتواءم ومتطلبات القطاع الخاص.

وعندما يخبرك الميكانيكي أن قطعة الغيار المقلدة «ستوفر» المصاريف وعائلتك أولى بها، فهو يقصد أن عائلتك ستستفيد من الميراث الذي يخبئه سعادتكم تحت البلاطة، ويشير من قريب إلى بخلك في الانفاق عليهم، ومن بعيد إلى أنك «أزعجته» بكثرة استفساراتك عن اعتمادية وكفاءة القطعة.

وعندما تخبرك والدتك في قريتها البعيدة أن زواجك سيوفّر عليك مصاريف المطاعم والمغاسل، فهي بحسن نيتها تظن أن البنات «التاليات» مثلها لا يعرفن المطاعم أكثر من الرجال، والنتيجة أنك بعد أن كنت توفر نصف الراتب، ستصبح مديناً فوقه بما يعادل نصفه تقريباً إذا كنت عاقلاً، وبما يعادله إذا كنت حكيماً، أما إذا كنت مجنوناً ولا يفصل بينك وبين العبقرية سوى شعرة، فأنت ستكتفي بالوقوف على خط «التصفير» وهو خط وهمي يظهر في عقول الرجال منتصف الليل فيما بين يومين، ثانيهما هو يوم تسلم الراتب. «السأسأة» كما وضح لكم هي نوع من التسويف، ولو قلت ذلك من قبل لوفرت عليكم متعة القراءة حتى آخر كلمة.

*صحيفة الحياة

الوسوم: , , , , ,

يُسعدنا المُشاركة بتعليقك